كتاب العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية (اسم الجزء: 3)
كِتَابُ الاعْتِكَافِ
قال الغزالي: الاعْتِكَاف سُنَّةٌ مؤَكَّدَة لاَ سِيَّمَا في العُشْرِ الأخِير مِنْ رَمَضَانَ لِطَلَبِ لَيْلةِ القَدْرِ، وَهِيَ في أَوْتَارِ العَشْرِ الأخَيرِ، وَمَيْلُ الشَّافِعِيِّ إلَى الحَادِي والعِشْرِينَ، وَقِيلَ: إنَّهَا في جَمِيعِ الشَّهرِ، وَقِيلَ: في جَمِيع السَّنَة، وَلَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ في مُنْتَصَفِ رَمَضَانَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيلَةَ القَدْرِ لَمْ تُطَلَّق إلاَّ إِذَا مَضَتْ سَنَةٌ لِأَنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَقَع بِالشَّكِّ، ويُحْتَمَل أَنْ تَكُونَ في النَصِّفِ الأَوَّلِ.
قال الرافعي: الأصل في الاعتكاف الإجماع، والكتاب، والأخبار.
أما الإجماع فَظَاهِر.
وأما الكتاب، فقوله تعالى: {طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ} (¬1).
وقال الله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (¬2).
وأما الأخبار فسيأتي طرف منها، واَستفتح الكتاب بذكر شيئين:
أحدهما: بيان استحباب الاعتكاف، وموضع تأكده.
والثاني: الكلام في لَيْلَة القَدْرِ.
أما الأول فالاعتكاف من الشرائع القديمة، وهوِ مستحب في جميع الأوقات، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن اعْتَكَفَ فَوَاقَ نَاقَةٍ، فَكَأنَّمَا أَعْتَقَ نَسَمَة" (¬3) وهو في العَشْر الأواخر من رمضَان آكد استحباباً؛ اقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وطَلباً لِلَيْلَةِ القَدْرِ. "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَعْتَكِف الْعَشْرَ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمضَانَ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ تَعَالَى" (¬4).
واعلم أن استحباب الاعتكاف العشر الأخير مكرر، قد ذكره مرة في "سُنَنِ الصوم". ومن رغب في المحافظة على هذه السِنة فينبغي أن يدخل المسجد قبل غروب
¬__________
(¬1) سورة البقرة، الآية 125.
(¬2) سورة البقرة، الآية 187.
(¬3) غريب انظر التلخيص الحبير (2/ 217).
(¬4) أخرجه البخاري (2026) ومسلم (1172) من رواية السيدة عائشة -رضي الله عنها-.