كتاب العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية (اسم الجزء: 7)
لِوَارثي، فلَوْ قَالَ: هُوَ تَرَكَتِي فَالظَّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجوزُ للموصِي الرجوع عن الوصية؛ لأنه عقد تبرُّع، لم يتصل القبْض به، فأشبه الهبة قبل القبض، وأيضاً: فإن القبول المعتبر في الوصية، إنما هو القَبُول بَعْد المَوت، وكلُّ عقد لم يقترن بإيجابه القبول المعتبر، فللموجب فيه الرجوع، وقد رُوِيَ عن عُمَرَ -رضي الله عنه- أنه قال: "يُغَيَّرُ الرَّجُل عَنْ وَصِيَّتِهِ ما شاء" (¬1).
وعن عائشة -رضي الله عنْها- مثله (¬2).
وكما يجوز الرجُوعُ عن جميع الوصية، يجوز عن بعْضِها، كما لو أوصَى لعبد، ثم رجع عن نصفه ويعم جواز الرجوع كل تبرع معلَّق بالموت؛ كقوله: إذا متُّ، فلفلان كذا، ما دفعوا إليه، أو عبْدي، أو فهو وقف تَعَمْ في الرجوع عن التَّدْبِيرِ صريحاً خلاَفٌ يُذْكَرُ في بابه، ولا رجوع عن التبرعات المنجَّزة في المرض (¬3)، وإن كان في الاعتبار من الثلث؛ كالمعلقة بالموت، ثم الرجوع يَحْصُل بطرق:
منْهَا: أن يقول: نقَضْتُ وصيتين، أو أبطلْتُها، أو رددتُّها، أو رفعْتُها، أو فسَخْتُها، أو رَجَعْتُ عنها: ولو سُئِلَ عن الوصية، فأنكرها كان رجوعاً عَلَى ما مر في جحود الوكالة (¬4)، ولو قال: لا أدري، لم يكن رجوعاً؛ خلافاً لأبي حنيفة، فيما حكاه الأستاذ أبو منصور، وأشار إلَى خلاَفِ الأصحاب، فيما إذا قال: هو حرامٌ على الموصَى له، والمشهورُ أنه رجوعٌ، كما لو حرَّم طعامه على غيره، لم يكن له أكله، ولو قال: هذا لو أَرِثِي بعد موتي، أو هو ميراثٌ عني، حَصَلَ الرجُوعُ؛ لأنه لا يكون
¬__________
(¬1) قال الحافظ: رواه ابن حزم من طريق الحجاج بن منهال عن همام عن قتادة، عن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن أبي ربيعة: أن عمر قال: يحدث الرجل في وصيته ما شاء، وملاك الوصية آخرها.
(¬2) قال الحافظ: رواه الدارقطني والبيهقي من طريق القاسم عنها قالت: ليكتب الرجل في وصيته إن حدث بي حدث قبل أن أغير وصيتي هذه.
(¬3) لا خفاء أن هذا في غير الهبة لولده فإن الهبة لولده يجوز له الرجوع فيها، وعن القاضي الحسين والإمام وغيرهما أن الوصية تفارق العطايا المنجزة من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الوصية تقبل الرجوع والعطايا المنجزة في المرض لا تقبل الرجوع.
ثانيها: أن الوصايا لا يملكها الموصى له إلا بعد الموت، ولا ينفذ تصرفه قبله، والعطايا المنجزة في المرض يملكها المتبرع عليه، وينفذ تصرفه.
ثالثها: أنهما إذا اجتمعا وضاق الثلث قدم المنجز على الوصية؛ لأنه ناجز وهي موقوفة.
(¬4) وقضيته التفصيل بين أن يكون الإنكار بالنسيان أو لغرض في الاخفاء وصحح بقاه الوصية، وعبارة الشيخ تفهم القطع بأنه رجوع مطلقاً.
قال في الخادم: وعبارة الروضة توافق منقول الأُستاذ ثم ساق لفظه.