كتاب العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية (اسم الجزء: 10)
تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ" (¬1).
وعن عثمان -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال:"لاَ يَحِلُّ قَتْلُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ، وزِنَاً بَعْدَ إِحْصَان، وَقتلَ نفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ" (¬2).
وفي الخَبَر: "لَقَتْلُ مُؤْمِنٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مِنْ زَوَال الدُّنْيَا" (¬3) أيضاً "مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِم، وَلَو بِشَطْرِ كَلِمَةٍ، لَقَى الله -تَعَالَى- وَهُوَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ" والإجماع منعقِدٌ عليه، ويتعلَّق بالقتل المحرَّم وراء العقوبة الأخروية مُؤَاخَذَاتٌ في الدنيا.
إحْداها: القِصَاصُ؛ قال الله تعالى: {وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] وقال عز اسمه: {كُتِبَ عَلَيكُمُ القِصَاصُ في القَتْلَى} [البقرة: 178] وقال -عزَّ وجلّ-: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بالنَّفْسِ} [المائدة: 45] قال الأصحاب - رحمهم الله-: هذا، وإن كان خَبَراً عما في التوراة، لكنْ شرْعُ من قبلنا شَرْعٌ لنا، إذا لم يَردْ نَاسخ له، على رأْي الأصوليين، وبتقدير أن لا يكون كذلك، فإن وَرَدَ ما يقرِّره، فهو شرعٌ لنا، لا مَحالة وقد رُوِيَ أن: الرُّبَيَّعَ بنْتَ النَّضْرِ عمَّةَ أنس بن مالك -رضي الله عنهما- كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جارَيةٍ فأَمَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بالِقصَاص، فَقَالَ: "أَخُوهَا أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّع، لا، واللهِ، فقالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- "كِتَاب اللهِ القِصَاصُ" وليس في كتاب الله تعالى ذكْرُ قِصَاصِ إلا في هذه الآية.
والثانية: الدِّيَة.
والثالثة: الكفَّارة ولهما بابان مفردان سيأتيان في موضعهما -إن شاء الله تعالى- والمقصود الآن الكلامُ في القصاص، وأشار بقوله في الكتاب: "والقصاص أو الدية" إلى أنهما لا يجتمعان لا وجوباً ولا استيفاء، وقد يوجَدُ في النسخ "والقِصَاصُ وَالدِّيَةُ" هو صحيحِ أيْضاً أي يتعلَّقان بالقتل في الجملة، وقدَّمَ الكفارة عليهما في الذِّكْر؛ لأنهما أعم مجالاً، وتجامع كلاً منهما [وقد تنفرد عنهما] (¬4).
¬__________
(¬1) رواه الشَّافعي من حديث ابن مسعود وهو متفق عليه البخاري [4761] ومسلم [86].
(¬2) رواه الشَّافعي [1422] وأحمد والترمذي [2159] وابن ماجه [2533] والحاكم [4/ 350] من حديث أبي أمامة بن سهل عنه، وفي الباب عن ابن مسعود متفق عليه البخاري [6778]، مسلم [1676] وعن عائشة عند مسلم وأبي داود وغيرهما.
(¬3) أخرجه النسائي من حديث بريدة بلفظ: قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا، وابن ماجه من حديث البراء بلفظ: لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق، والنسائي من حديث عبد الله ابن عمرو، مثله، لكن قال: من قتل رجل مسلم، ورواه الترمذي وقال: روي مرفوعاً وموقوفاً.
(¬4) قال الشيخ البلقيني: يستثنى منه ما إذا قتل مرتد مرتداً فإنه يجب القصاص، وإذا اقتضى الحال =