كتاب العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية (اسم الجزء: 12)

يلزم ويلغو النذرُ به قال أبو حنيفة، وهو الذي رجَّحه العراقيون، والرويانيُّ وغيرهم -رحمهم الله- لما رُوُيَ عن جابر أن رجلاً قال: يا رَسُولَ اللهُ، إِنِّي نَذَرْتُ، إن فَتَحَ اللهُ عَلَيْكَ مَكَّة، إنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ، فَقَاَل: "صَلِّ هاهنا فَأَعَادَ عَلَيْهِ، فقال: صَلِّ هاهنا ثَلاَثاً" (¬1) ومعلوم أن هذا النذر يتضمن الإِتيان، ولأنهما لا يقصدان بالنسك.
فأشبها سائر المساجد.
التَّفْريع: إذا قلنا: يلزمه إتيان المسجد الحرام، وهو المذهب، فقد ذكر الصيدلانيُّ وغيره؛ أنا إن قلْنا: النذر يُحْمَلُ على الواجب شرعاً، فعليه حج أو عمرةٌ، وبهذا أجاب الشافعيُّ -رضي الله عنه- في المسألة، وهو الظاهر، وإنما تتم القُربَّةُ في إتيانه بالنسك المخصوص به، وإن قلنا: لا يُحْمَلُ على الواجب، فنبني عَلَى أصل آخر؛ وهو أنَّ دُخُول مكة، هل يقتضي الإحرام بحج أو عمرة، إن قلنا: نعم، فإذا أتاه، فعليه حج أو عمرة، وإن قلنا: لا، فهو كَمسجد المدينة والمسجد الأقصى، وفيه القولان، في أنه هل لا يلزم إتيانه.
والئفريع: إذا قلنا: يلزم إتيانه، كالتفريع على المسجدين، وإذا أوجبنا إتيان مسجد المدينة والمسجد الأقصى، فهل يلزمه مع الإِتيان شيء آخر؟ فيه وجهان عن رواية الشيخ أبي علي وغيره -رحمهم الله-:
أحدهما: لا؛ لأنه لم يلتزم شيئاً سوى الإتيان، ونفس الإِتيان (¬2) والزيارة قُرْبة، واعترض الإِمام بان من قال بهذا الوجه؛ ماذا يقوَل، لو أنْ باب المسجد وانصرف؟ إن قال: يكفيه ذلك، فقد أبعد؛ لأنه لا قُرْبَة فيه، بل هو قريبٌ من العبث، وإن قال: يدخل المسجد، فالدخول من غير اعتكاف وعبادة، لا قربة فيه، بل نُهِيَ عن طروق المَسَاجِدِ إلا لحاجةٍ (¬3).
¬__________
(¬1) رواه أبو داود [3305] والحاكم [4/ 304 - 305] والبيهقي [10/ 82 - 83] وصححه أيضاً ابن دقيق العيد في الاقتراح.
(¬2) سقط من: أ.
(¬3) رواه ابن ماجه [748] رواه ابن عدي من حديث ابن عمر أنه -صلى الله عليه وسلم- نهى أن تتخذ المساجد طرقاً، أو يقام فيها الحد، أو ينشد فيها الأشعار، أو ترفع فيها الأصوات، وفيه عرابة بن السائب، وهو منكر الحديث، وقال عبد الحق: لا يصح، ورواه الحاكم والبيهقي من طريق أخرى بلفظ: لا تقوم الساعة حتى تتخذ المساجد طرقاً، ورواه بهذا اللفظ الدارقطني من حديث أنس وهو معلول، ورواه البيهقي في كتاب الصلاة في باب ما يجوز من قراءة القرآن والذكر في الصلاة، من حديث خارجة بن الصلت قال: دخلنا مع عبد الله -يعني ابن مسعود- المسجد، فذكر الحديث، وفيه وإن يقال من أشرط الساعة أن يسلم الرجل على الرجل بالمعرفة وأن تتخذ المساجد طرقاً والحديث رواه ابن ماجه برقم (748).

الصفحة 389