كتاب العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية (اسم الجزء: 12)

وأصحهما: أنه لا بدّ من ضم قُرْبَةٍ إلى الإِتيان؛ لأن النذر إنما ينعقد إذا تعلَّق بقربة، والإِتيان المجرَّد ليس بقربة، وعلَى هذا، ففيه ثلاثة أوجهٍ، جمعها الإِمام:
أحدها: أنه يتعيَّن أن يصلي في المسجد الذي أتاه، واحتجَّ له بأن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ميَّز هذَيْنِ المسجدَيْنِ عن سائر المساجد بالصلاة، فرُوِيَ أنه قال: "صَلاةٌ في مَسْجِدِي هَذَا تَعْدِلُ أَلْفَ صَلاَةٍ فِي غَيْرِهِ وَصَلاةٌ فِي مَسْجِدِ إِيلِيَا تَعْدِلُ أَلْفَ صَلاَةٍ فِي غَيْرِهِ، وَصَلاةٌ في الْمسْجِدِ الحَرَامِ تَعْدِلُ مَائَةَ أَلْفِ صَلاَةٍ فِي غَيْرِهِ" (¬1) وإذا كان التمييز بالصلاة، وجب أن يُضَمَّ إلى الإِتيان الصلاةُ.
وعلى هذا؛ قال الإِمام: الذي أراه أنه لا يجبُ ركعتان قولاً واحداً، بل يكفي ركعة؛ لأن الصلاة غيرُ مقصودةٍ بالنَّذر في هذا الموضع، وذكر ابن الصبَّاغ وأكثرهم: أنه
¬__________
(¬1) رواه أحمد [4/ 5] والبيهقي [5/ 246] وابن حبان [1027 موارد] وذكره الغزالي في الوسيط هكذا، وتعقبه ابن الصلاح بأن قال، هو هكذا غير ثابت، قلت: معناه في معجم الطبراني الكبير من حديث أبي الدرداء رفعه: الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة، ورواه ابن عدي من حديث يحيى بن أبي حية عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد عن جابر بلفظ: الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس بخمسمانة صلاة، وإسناده ضعيف، وقد ورد ذلك في أحاديث مفترقة، فأما الصلاة في مسجد المدينة فمتفق عليه من حديث أبي هريرة بلفظ: صلاة في مسجدي هذا، أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد رواه البخاري [1190] مسلم [1394] إلا المسجد الحرام، ولمسلم عن ابن عمر وعن ميمونة مثله، ولأحمد عن جابر مثله، وأما الصلاة في مسجد إيلياء وهو بيت المقدس، فروى ابن ماجه [1407] من حديث ميمونة بنت معد، فإن صلاة فيه -يعني بيت المقدس -كألف صلاة في غيره، وروى ابن ماجه [1413] من حديث أنس: وصلاة في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وإسناده ضعيف، وروى الدارقطني في العلل والحاكم في المستدرك من حديث أبي ذر: صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات في بيت المقدس، وأما الصلاة في المسجد الحرام فرواه أبو هريرة في المتفق كما تقدم، وتقدم عن ابن عمر وميمونة، وروى أحمد وابن حبان والبيهقي من حديث عبد الله بن الزبير، صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي، وروى ابن عبد البرّ في التمهيد من حديث الأرقم، صلاة هنا خير من ألف صلاة، ثم يعني في مسجد بيت المقدس، قال ابن عبد البر: هذا حديث ثابت، وقال أحمد نا أحمد بن عبد الملك نا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم هو الجزري، عن عطاء عن جابر رفعه: صلاة في مسجدي هذا، أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه، وإسناده صحيح إلا أنه اختلف فيه على عطاء.

الصفحة 390