كتاب بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)
ألبتَّةَ، فإنَّ السياسةَ نوعانِ: سياسةٌ ظالمةٌ، فالشريعةُ تحرِّمُها، وسياسةٌ عادلةٌ تُخرِجُ الحقَّ من الظالم الفاجر، فهي من الشريعة عَلِمَها من عَلِمَها، وخَفِيتْ على من خَفِيتْ عنه.ولا تْنسَ في هذا الموضع قولَ سليمانَ نبيِّ الله - صلى الله عليه وسلم - للمرأتين اللتين ادَّعتا الوَلَدَ فحكم به داودُ للكبرى، فقال سليمانُ: "ايتونِي بالسِّكّينِ أشُقَّهَ بينهما، فقالت الصُّغرى: لا تَفعلْ هو ابْنُها، فقَضَى به للصُّغْرَى" (¬١)، لِمَا دلَّ عليه امتناعها من رحمة الأم، ودلَّ رضى الكبرى بذلك على الاسترواح إلى التأسِّي بمساواتها في فقد الولد.
وكذلك قول الشاهد من أهل امرأة العزيز: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ} [يوسف: ٢٦] {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ} [يوسف: ٢٧] فذكر الله تعالى ذلك مقرِّرًا له غيرَ منكر على قائله، بل رتَّبَ عليه العلمَ ببراءة يوسف -عليه السلام- وكذِب المرأة عليه.
وقد أمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الزُّبَيْر أن يُقَرِّرَ ابني أبي الحُقَيق بالتَّعذيب على إخراج الكنز، فعذَّبهما حتى أقرَّا به (¬٢).
ومن ذلك قول عليٍّ للظَّعينة التي حملت كتاب حاطب وأنكرَتْهُ، فعال لها: لَتُخْرِجِنَّ الكِتابَ أو لَنُجَرِّدَنَّكِ (¬٣).
---------------
(¬١) أخرجه البخاري رقم (٣٤٢٧)، ومسلم رقم (١٧٢٠) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(¬٢) أخرجه أبو داود رقم (٣٠٠٦) مختصرًا، والبيهقي: (٩/ ١٣٧) من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما-.
(¬٣) أخرجه البخاري رقم (٣٠٠٧)، ومسلم رقم (٢٤٩٤) من حديث علي -رضي الله عنه-.