كتاب بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

فإن الظلمة سابقة للنور في المحسوس والمعقول، وتقدمهما في المحسوس معلوم (¬١) بالخبر المنقول، وتقدم الظلمة المعقولة معلوم بضرورة العقل، قال سبحانه: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} [النحل: ٧٨] فالجهل (¬٢) ظلمة معقولة، وهي متقدمة بالزمان على نور العلم (¬٣) ولذلك قال تعالى: {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ} [الزمر: ٦]، فهذه ثلاث محسوسات: ظلمة الرَّحِم، وظلمة البطن، وظلمة المشيمة، وثلاث معقولات وهي: عدم الإدراكات الثلاثة المذكورة في الآية المتقدمة؛ إذ (¬٤): "لكلِّ آية ظهر وبطن، ولكل حرف حدٌّ، ولكل حدٍّ (¬٥) مطلع" (¬٦)، وفي الحديث: "إِنَّ اللهَ خَلَقَ عِبَادَهُ في (ق/٢٤ أ) ظُلْمَةٍ ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ من نُوْرِه" (¬٧).
ومن المتقدِّم بالطبع نحو: {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: ٣] ونحو:
---------------
(¬١) (ق): "معقول".
(¬٢) في "النتائج": "وانتفاء العلم".
(¬٣) (ق): "العلوم"، و"النتائج": "الإدراك".
(¬٤) ليست في (ق).
(¬٥) "ولكل حد" سقط من (د).
(¬٦) جاء هذا القول عن بعض السلف، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، انظر ذلك مع شرحه في "الإتقان": (٢/ ٤٨٦)، و"البرهان": (٢/ ١٦٩).
(¬٧) أخرجه أحمد: (٢/ ١٧٦، ١٩٧)، والترمذي رقم (٢٦٤٢)، وحسَّنه، وابن حبان في "الإحسان": (١٤/ ٤٣)، والحاكم في "المستدرك": (١/ ٣٠) وصححه، وابن أبي عاصم في "السنة": (ص/ ١٠٨)، واللالكائي: (٤/ ٦٠٣)، والآجري في "الشريعة": (٢/ ٧٥٧).
كلهم من طريق عبد الله ابن الدَّيْلمي عن عبد الله بن عَمرو به، وسنده صحيح، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي والألباني في "السلسلة" رقم (١٠٧٦).

الصفحة 108

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text