كتاب بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)

قلت: وأما منعُ الأب مِنْ خلع ابنتِهِ بشيءٍ من مالها فليست مسألةَ وِفاق، بل فيها قولان مشهوران، ونحن إذ قلنا: إن الذي بيده عُقدة النكاح هو الأبُ، وإن له أن يعفوَ عن صَدَاق ابنته قبل الدخول، وهو الصحيحُ لبضعة عشر دليلًا قد ذكرتها في موضع آخر (¬١)، فكذلك خلعُها بشيءٍ منْ مالها، بل هو أولى؛ لأنه إذا ملك إسقاط مالها مجانًا فَلأَنْ يملِكَ إسقاطَهُ ليُخَلَصَها من رقِّ الزَّوج وأسرِهِ ويُزَوِّجَها بمنْ هو خيرٌ لها منه = أولى وأحرى.
وهذه رواية عن أحمد ذكرها أبو الفرج في "مبهجه" (¬٢) وغيره، واختارها شيخُنا.
وأما قولُكم: إنه يخرج من مُلْكِهْ قهرًا بغير عِوَض فيما إذا طلَّق عليه الحاكم لإعسار أو عَنَت أو غيرها، فجوابه: أن الشارع إنما مَلَّكهُ البُضْعَ بالمعروف، وإنما ملَّكَه بحقِّه، فإذا لم يستمتعْ به بالمعروف الذي هو حقُّه، أخرجه الشارع عنه، قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: ١٩]، وقال: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: ٢٢٨]، وقال: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: ٢٢٩]، فأوجب الله على الزوج أحدَ الأمرين، إما أن يُمْسِكَ بمعروف وإما أن يُسرِّحَ بإحسان، فإذا لم يُمسِكْ بمعروف ولم يُسَرحْ بإحسان (¬٣) سرَّح الحاكم عليه قهرًا.
---------------
(¬١) تقدمت الإشارة إلى هذا البحث (٣/ ١٠٣١) وانظر التعليق هناك.
(¬٢) هو: أبو الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي المقدسي الحنبلي ت (٤٨٦)، من أصحاب القاضي أبي يعلى، له كتب منها "المبهج" نقل منه ابن رجب: بعض غرائبه. "ذيل الطبقات": (١/ ٦٨ - ٧٣).
(¬٣) من قوله "فإذا لم ... " إلى هنا ساقط من (ق).

الصفحة 1112