كتاب بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)
وَالّذِي لا إلهَ إلَاّ هُوَ. فقال عيسى: آمَنْتُ باللهِ وكَذَّبْتُ بَصَرِي" (¬١).
قيل: هو استفهام من المسيح، لا أنه إخبار، والمعنى: "أسرقت" فلما حلف له صدقه، ويردُّ هذا قولُه: "وكذبتُ بَصَري"، وقيل: لما رآه المسيح أخذَ المالَ بصورة السارق فقال: سرقت؟ فقال: كلا، أي: ليس بسرقة، إما لأنه مالُه أو له فيه حق، أو لأنه أخده ليقلبَهُ ويعيدَهُ، والمسيحُ - صلى الله عليه وسلم - أحال على ظاهر ما رأى، فلما حلف له قال: "آمَنْتُ بالله وكَذَّبْتُ نفسي في ظني أنها سرقةٌ" لا أنه كَذَّبَ نفسَه في أخده المال عيانًا، فالتكذيبُ واقعٌ على الظَّنِّ لا على العِيان، وهكذا الروايةُ "وكَذَّبْتُ نَفْسِي" (¬٢) ولا تنافِيَ بينها وبين رواية: "وكَذَّبْتُ بَصري"، لأن البصرَ ظنَّ أن ذلك الأَخْذ سرقةٌ، فأنا كذبته في ظنِّ أنه رأى سرقة، ولعله إنما رأى أخذًا ليس بسرقة.
وفي الحديث معنى ثالث -ولعله أَلْيَقُ به- وهو: أن المسيحَ - صلى الله عليه وسلم - لعظمة وقارِ الله في قلبه وجلالِه ظنَّ أن هذا الحالف بوحدانية الله صادقًا، فحمله إيمانُهُ بالله على تصديقه، وجوَّز أن يكون بصرُة قد كذبه، وأراه ما لم يَرَ، فقال: "آمنْتُ باللهِ وكذبْتُ بَصَري".
ولا ريبَ أن البَصَرَ يعرِضُ له الغلطُ، ورؤية بعض الأشياء بخلاف (¬٣) ما هي عليه، ويُخَيِّلُ ما لا وجود له في الخارج، فإذا حكم عليه العقلُ تبين غلطُه. والمسيحُ - صلى الله عليه وسلم - حكَّم إيمانه على بصره فكذب بصره (¬٤)
---------------
(¬١) أخرجه البخاري رقم (٣٤٤٤)، ومسلم رقم (٢٣٦٨) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(¬٢) من قوله: "في ظني أنها ... " إلى هنا ساقط من (ظ).
(¬٣) (ق): "على غير".
(¬٤) "فكذب بصره" ليست في (ع).