كتاب بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 3)

إلَّا أبْخَرَ أو أَهْتَمَ (¬١) يعرفُ ذلك فيهم وهو مِنْ شؤم الآباء على الأبناء.
واخْتُلِف فيما وقع للنبي - صلى الله عليه وسلم - من هذا ونحوه، فقيل: هو قبلَ نزول قوله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: ٦٧]، وقيل: العصمةُ الموعودُ بها عصمةُ النفس من القتل لا عصمته من أذاهم بالكُلِّيَّة، بل أبقى الله تعالى لرسوله ثوابَ ذلك الأذى، ولأُمته حُسْن التَّأَسِّي به، إدْا أودي أحدُهم نظرَ إْلى ما (¬٢) جرى عليه - صلى الله عليه وسلم - فتأسَّى وصَبَرَ، وللمُؤْذِينَ الأشقياءِ الأَخْذةُ الرَّابِيَةُ.
فائدة
قيل: إنما فَدَّى: النبي - صلى الله عليه وسلم - سعدًا بأبويه (¬٣) لما ماتا عليه، وأما الأَبوان المسلمان فلا يجوز أن يُفَدَّى بهما، وهذا لا يحتاجُ إليه، فإنَّ التفديةَ نُقِلت بالعُرْف العام عن وضعها الأول، وصارت علامةً على الرضى والمحبة، وكأنه قال: افْعَلْ كدْا مغبوطًا مرضيًّا عنك.
فائدة
في حديث أبي لُبَابَةَ لما بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - ارتباطه قال: "لَوْ أَتَانِي لاسْتَغْفَرْتُ لَهُ، وَإِذ فَعَلَ فَلَسْتُ أُطْلِقُهُ، حَتَّى يُطْلِقَهُ اللهُ"، فأنزل الله تعالى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} إلى قوله: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [التوبة: ١٠٢] فأطلقه النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ (¬٤). وفي هذا ما يدُلُّ
---------------
(¬١) البَخَر هو: نَتَن الفم، والهَتَم: سقوط الأسنان من مقدم الفم.
(¬٢) (ظ): "ذكر ما ... ".
(¬٣) أخرجه البخاري رقم (٢٩٠٥) ومسلم رقم (٢٤١١) من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.
(¬٤) أخرجه ابن جرير: (٦/ ٤٦٠)، وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي =

الصفحة 1174