كتاب بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 4)

فهكذا تكون الفروقُ المؤثِّرَة في الأحكام لا الفروقُ المذهبيةُ التي إنما يفيدُ ضابط المذهب.
وكذلك قوله في اللَّحم الذي تُصُدِّق به على بَرِيرَةَ: "هُوَ عَلَيْها صَدَقَةٌ، ولنا هَدِيةٌ" (¬١)، ففرَّقَ في الذاتِ الواحدةِ، وجعل لها حكمينِ مختلفينِ باختلافِ الجهتين؛ إذ جهةُ الصَدَقةِ عليها غير جهة الهديَّة منها.
وكذلك الرجلانِ اللذانِ عَطَسا عند النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فشمَّتَ أحَدَهما ولم (ق/ ٣٦١ أ)، يُشَمِّتِ الآخَر، فلما سُئِلَ عن الفرق أجاب: "بأن هذا حَمِدَ الله، والآخر لم يَحَمدْهُ" (¬٢)، فدلَّ على أن تفريقَهُ في الأحكام لافتراقها في العلل المؤثِّرَةِ فيها.
وتأمَّلْ قوله - صلى الله عليه وسلم - في المَيْتَةِ: "إنما حَرُمَ منها أَكْلها" (¬٣)، كيف تضمَنَ التَّفْرِقَةَ بينَ أكلِ اللَّحمِ واستعمال الجلدِ، وبيَّنَ أن النصَّ إنما تناولَ تحريمَ الأكلِ، وهدا تحتَهُ قاعدتانِ عظيمتانِ:
إحداهما. بيانُ أنَّ التَّحليلَ والتحريمَ المضافانِ إلى الأعيانِ غيرُ مجمل، وأنه (¬٤) مُراد به من كل عينٍ ما هي مهيَّأة له. وفي ذلك الرَّدُ على من زَعَمَ أن ذلك مُتضمِّنٌ لمضمرٍ عامٍّ، وعلى من زعم أنه مجملٌ.
---------------
(¬١) أخرجه البخاري رقم (١٤٩٥)، ومسلم رقم (١٠٧٤)، من حديث أنس -رضي الله عنه-.
(¬٢) أخرجه البخاري رقم (٦٢٢١)، ومسلم رقم (٢٩٩١)، من حديث أنسٍ -رضي الله عنه -.
(¬٣) أخرجه البخاري رقم (١٤٩٢)، ومسلم رقم (٣٦٣) من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
(¬٤) (ع): "وأنه غير ... ".

الصفحة 1535