كتاب بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

فقالوا: "زيدًا لن أضرب"، كما قالوا: "زيدًا لم أضرب".
ومن خواصِّها تخليصها الفعل للاستقبال، بعد أن كان محتملًا للحال، فأغنت عن "السين" و"سوف"، وجُلُّ هذه النواصب تخلِّص الفعل للاستقبال (¬١).
ومن خواصِّها: أنها تنفي ما قرب ولا يمتد معنى النفي فيها كامتداد معنى النفي في حرف "لا" إذا قلت: "لا يقوم زيد أبدًا"، وقد قدمنا أن الألفاظ مشاكلة (¬٢) للمعاني التي هي (¬٣) أرواحها, يتفرَّس الفطن فيها حقيقة المعنى، بطبعه وحسه، كما يتعرَّف الصادق الفراسةِ صفاتَ الأرواح في الأجساد من قوالبها بفطنته.
وقلت يومًا لشيخنا أبي العباس ابن تيمية -قدس الله روحه-: قال ابن جنِّي (¬٤): مكثت بُرْهةً إذا ورد علىَّ لفظ آخذ معناه من نفس حروفه وصفاتها وجَرْسه وكيفية تركيبه، ثم أكشفه، فإذا هو كما ظننته أو قريبًا منه، فقال لي رحمه الله: "وهذا كثيرًا ما يقع لي".
وتأمل حرف "لا" كيف تجدها: لامًا بعدها ألف، يمتدُّ بها الصوت ما لم يقطعه ضيق النفس، فآذن امتداد لفظها بامتداد معناها، و"لن" بعكس ذلك، فتأمله، فإنه معنىً بديع.
---------------
(¬١) من قوله "بعد أن كان ... " إلى هنا ساقط من (ق).
(¬٢) (ق): "مشاركة". وانظر (ص/ ٧٠) فيما تقدم.
(¬٣) سقطت من (ظ ود).
(¬٤) هو: أبو الفتح عثمان بن جِنِّي الموصلي النحوي، من أئمة العربية خاصة التصريف ت (٣٩٢). انظر: "إنباه الرواة": (٢/ ٣٣٥)، و"وفيات الأعيان": (٣/ ٢٤٦). وقد ذكر المؤلف نحو هذا عن شيخه في "جلاء الأفهام" (ص/ ١٤٧).

الصفحة 166