كتاب بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)
الموضع للمستقبل؛ فقد عُلِّل بنْحو هذه العلة، وأن الأَداة تدل (¬١) على الاستقبال فعدلوا إلى الماضي؛ لأنه أخفُّ، وهي -أيضًا- غير مُطَّردة ولا مستقلَّة، ولو لم ينقض عليهم إلا بسائر الأدوات التي لا يكون الفعل بعدها إلا مستقبلًا، ومع ذلك لا يقع (¬٢) بلفظ الماضي.
وأحسن مما ذكروه أن يقال: عَدَل عن المستقبل هنا إلي صيغة الماضي، إشارة إلى (ق/ ٤٠ ب)، نكتة بديعة، وهي: تنزيل الشرط بالنسبة إلى الجزاء منزلةَ الفعل الماضي، فإن الشرط لا يكون إلَّا (¬٣) سابقًا للجزاء متقدِّمًا عليه، فهو ماضٍ بالإضافة إليه.
ألا ترى أنك إذا قلت: "إن اتقيتَ اللهَ أدخلكَ جنته"، فلا تكون إلا سابقة على دخول الجنة، فهو ماض بالإضافة (¬٤) إلى الجزاء، فأتوا للفظ الماضي تأكيدًا للجزاء وتحقيقًا؛ لأن الثاني لا يقع إلا بعد تحقق الأول ودخوله في الوجود، وأنه لا يُكتفى فيه بمجرد العزم وتوطين النفس عليه الذي يكون (¬٥) في المستقيل، بل لا سبيلَ إلى نيلِ الجزاء إلا بتقدُّم الشوط عليه وسَبْقِه له، فأتى بالماضي لهذه النكتة البديعة مع أَمْنهم اللبسَ بتحصين أداة الشرط لمعنى الاستقبال فيهما.
يبقى أن يُقَال: فهذا تقرير حَسَن في فعل (¬٦) الشرط، فما الذي حَسَّن وقوعَ الجزاء المستقبل من كلِّ وجهٍ بلفظ الماضي إذا قلت:
---------------
(¬١) (ظ ود): "وأن الإرادة ... " و (ظ ود): "ولا تدل".
(¬٢) بعده في (ق): "إلا".
(¬٣) من (ق).
(¬٤) (ق): "فهي ماضٍ بالنسبة".
(¬٥) من (ق).
(¬٦) (ق): "معنى"!.