كتاب بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

صبيًا فكيف نكلمه؟ في هذا هو المعنى الذي حامَ حوله من قال من المفسرين والمعربين: إن "كان" هنا (¬١) بمعنى يكون، لكنهم لم يأتوا إله من بابه، بل ألقوه عُطْلاً من تقدير وتنزيل، وعزب عن (¬٢) فهم غيرهم هذا للُطْفه ودقَّته، فقالوا: "كان" زائدة، والوجه ما أخبرتك به، فخده عَفْوًا، لك غُنمه (¬٣) وعلى سِوَاك غرمه، هذا مع أن "مَن" (¬٤) في الآية قد عمل فيها الفعل، وليس لها جواب، ومعنى الشرطية قائم فيها، فكذلك في قوله: {وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤)}، وهذا كلُّه مفهومٌ من كلام فحول النحاة، كالزَّجَّاج (¬٥) وغيره.
فإذا ثبت هذا، فقد وضَحَت (¬٦) الحكمة التي من أجلها جاء الفعل بلفظ الماضى من قوله: {وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤)}، بخلاف قوله: {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)}، لبعد "ما" فيها عن معنى الشرط؛ تنبيهًا من الله على عصمة نبيه أن يكون له معبود سواه، وأن يتنقل في المعبودات تنقل الكافرين.
وأما المسألة الرابعة وهي: أنه لم يأتِ النفي في حقهم إلا باسم الفاعل، وفي جهته جاء بالفعل المستقبل تارةً وباسم الفاعل أُخرى، فذلك -والله أعلم- لحكمة بديعة، وهى: أن المقصود الأعظم براءته من معبوديهم بكل وجه وفي كل وقت، فأتى أولاً بصيغة الفعل الدالة
---------------
(¬١) (ظ ود): "أنه كان نبيًّا".
(¬٢) من (ق).
(¬٣) (ظ): "عزمه".
(¬٤) (ظ): "هل على من"!.
(¬٥) هو: إبراهيم بن السَّريّ بن سهل، أبو إسحاق الزجَّاج النحوي ت (٣١١).
انظر: "معجم الأدباء": (١/ ١٣٠)، و"إنباه الرواة": (١/ ١٩٤).
(¬٦) (ظ ود): "صحت".

الصفحة 240