كتاب بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)
صنعت جبلًا، ولا حديدًا ولا حجرًا ولا ترابًا"، فإذا قلت: "أعجبني ما عملت، وما فعل زيد"، فإنما تعني الحَدَثَ، فعلى هذا لا يصح في تأويل قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)} [الصافات: ٩٦] إلا قول أهل السنة: إن المعنى: والله خلقكم وأعمالَكُم، ولا يصح قول المعتزلة من جهة المنقول ولا من جهة المعقول؛ لأنهم زعموا: أن "ما" واقعة على الحجارة التي كانوا ينحتونها أصنامًا، وقالوا: تقدير الكلام: خلقكم والأصنام التي تعملون، إنكارًا منهم أن تكون أعمالنا مخلوقة لله سبحانه. واحتجوا بأن نظم الكلام يقتضي ما قالوا؛ لأنه تقدم قوله تعالى: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} [الصافات: ٩٥] فـ "ما" واقعة على الحجارة المنحوتة، ولا يصح غير هذا من جهة النحو ولا من جهة المعنى؛ أما النحو؛ فقد تقدَّم أن "ما" لا تكون مع الفعل الخاص (¬١) مصدرًا. وأما المعنى؛ فإنهم لم يكونوا يعبدون النحت، وإِنما كانوا يعبدون المنحوت. فلما ثبتَ هذا وجب أن تكون الآية -التي هي ردّ عليهم وتفنيد لهم (¬٢) - واقعة على الحجارة المنحوتة والأصنام المعبودة، فيكون التقدير: أتعبدون (ظ/٤٣ ب) حجارة منحوتة، والله خلقكم وتلك الحجارة التي تعملون؟!.
هذا كله معنى قول المعتزلة، وشرح ما شبَّهوا به، والنظمُ على تأويلِ أهلِ الحقِّ أبدعُ، والحجةُ أَقْطَع (¬٣). والذي ذهبوا إليه فاسد لا يصح بحال؛ لأنهم مجمعون معنا على أن أفعال العبادِ لا تقع (ق/٥٩ أ) على الجواهر والأجسام.
---------------
(¬١) (ق): "الحاضر"!.
(¬٢) في "النتائج" زيادة: "كذلك "ما" فيها".
(¬٣) في "النتائج" زيادة: "والمعنى لا يصح غيره".