كتاب بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)

وهذا بخلاف قوله: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)}، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)}، فإن هذا أمر محض بإنشاء الاستعاذة لا تبليغ لقوله: "أعوذ برب الناس" (¬١)، فإن الله لا يستعيذ من أحدٍ وذلك عليه محال، بخلاف قوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)}، فإنه خبر عن توحيده، وهو -سبحانه- يخبر عن نفسه بأنه الواحد الأحد، فتأمَّل هذه النكتة البديعة، والله المستعان (¬٢).
فصل
وأما السؤال الثامن عشر: وهو نهي النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من قال له: "عليك السلام" عن ذلك، وقال: "لا تقُلْ عليكَ السلامُ، فإن عليكَ السلامُ تحيةُ المَوْتَى" (¬٣)، فما أكثرَ من ذهبَ عن الصواب في معناه وخَفِيَ عليه مقصودُه وسرُّه، فتعسَّف ضروبًا من التأويلات المستنكرة الباردة، وردَّ بعضُهم الحديثَ، وقال: قد صحَّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في تحية الموتى: "السَّلامُ عَلَيْكُم دارَ قومٍ مُؤْمِنِين" (¬٤)، قالوا: وهذا أصحّ من حديث النهي، وقد تضمَّن تقديم ذلك لفظ "السلام" فوجبَ المصير إليه، وتوهَّمت طائفةٌ أن السنةَ في سلام الموتى أن يُقال: "عليكم السلام" فرقًا بين السلام على الأحياء والأموات.
وهؤلاء كلُّهم إنما أُتوا مِن عدم فهمهم لمقصودِ الحديث (¬٥)، فإن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "عَلَيكَ السلامُ تحيةُ المَوْتَى"، ليس تشريعًا منه وإخبارًا عن
---------------
(¬١) (ق): {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)}.
(¬٢) ليست في (ق).
(¬٣) تقدم ٢/ ٦٣٠.
(¬٤) تقدم ١/ ٨٤.
(¬٥) انظر "معالم السنن" و"تهذيب السنن" للمصنف: (٦/ ٤٨ - ٥٠).

الصفحة 660