كتاب المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق

ثم أشار إلى بعض أسباب هذا التغاير فقال: "وسبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحياناً يكون سببه الوهم والغلط.
وتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الاختلاف في حديثه، وكلما قلّ أصحابه وتلاميذه قلّ الاختلاف في حديثه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضبط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها" (¬1).
ومخالفة الثقات في الإسناد والمتن يكون على أنحاء متعددة، من تغيير سياق الإسناد أو زيادة راوِ فيه، أو تقديم أو تأخير، أو دمج موقوف بمرفوع وما إلى ذلك من أنواع المخالفة. (¬2)
والمخالفة تعتبر مُخِلّة برواية الراوي، حيث تُعدُّ - والتفرد كذلك- مما يُستعان به على إدراك علل الحديث. (¬3)
وممن سبق ابن الصلاح في تقييد الشذوذ بالمخالفة: الإمام الشافعي - رحمه الله- إلا أنه جعل الشذوذ خاصاً بمخالفة الثقة للثقات، بينما أطلق ابن الصلاح الشذوذ على مخالفة الراوي بشكل عام - أي: سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه.
وتبع الأثرمُ الشافعيَ فيما اشترطه - في الحديث الشاذ- من تخصيص المُخالِف بالثقة، حيث دلّ مثاله الذي مثّل به، وسياق كلامه عليه.
أما المثال الذي ذكره أبو بكر الأثرم في كتابه ناسخ الحديث ومنسوخه في باب صيام العشر (¬4) فهو من حديث موسى بن عُلي (¬5) عن أبيه (¬6) عن عقبة بن عامر (¬7)
¬_________
(¬1) المرجع السابق.
(¬2) ينظر: ابن حجر، النزهة، 114 - 119.
(¬3) "مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه". ابن الصلاح، علوم الحديث، 90.
(¬4) الأترم، ناسخ الحديث، 179.
(¬5) موسى بن عُلي بن رباح، مع أنّ جمهور النقاد على توثيقه، روى له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والأربعة، مات سنة 163 هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، 8/ 153 - 154 (691)، ابن حبان، الثقات، 7/ 453، الذهبي، الكاشف، 2/ 306 (5719)، ابن حجر، التهذيب، 10/ 363 - 364 (641)، ابن حجر، التقريب، 553 (6994).
(¬6) على بن رباح بن قصير اللخمي المصري، أبو عبد الله، ويقال: أبو موسى، (والد موسى بن على بن رباح) قال الذهبي: وثقوه، وقال ابن حجر: ثقة. مات سنة 114 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 2/ 39 (3908)، ابن حجر، التقريب، 401 (4732).
(¬7) عقبة بن عامر الجهنى - رضي الله عنه -، صحابي جليل، اُختلف في كنيته فقيل: أبو حماد وقيل أبو عمرو وقيل أبو عبس وقيل غير ذلك، روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيراً، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، من فقهاء الصحابة، شهد فتوح الشام، وتولّى مصر زمن معاوية ومات بها سنة 58 هـ. ينظر: ابن الأثير، أُسد الغابة، 4/ 51 (3711)، ابن حجر، الإصابة، 7/ 205 (5626).

الصفحة 300