كتاب البداية والنهاية ط هجر (اسم الجزء: 1)

الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» .
وَأَمَّا الْأَنْهَارُ فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ أَنْ يَكُونَ مَاؤُهَا حُلْوًا عَذْبًا جَارِيًا فُرَاتًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ، وَجَعَلَهَا جَارِيَةً سَارِحَةً يُنْبِعُهَا تَعَالَى فِي أَرْضٍ، وَيَسُوقُهَا إِلَى أُخْرَى رِزْقًا لِلْعِبَادِ، وَمِنْهَا كِبَارٌ وَمِنْهَا صِغَارٌ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ أَصْحَابُ عِلْمِ الْهَيْئَةِ وَالتَّسْيِيرِ عَلَى تَعْدَادِ الْبِحَارِ وَالْأَنْهَارِ الْكِبَارِ، وَأُصُولِ مَنَابِعِهَا، وَإِلَى أَيْنَ يَنْتَهِي سَيْرُهَا بِكَلَامٍ فِيهِ حِكَمٌ، وَدَلَالَاتٌ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ فَاعِلٌ بِالِاخْتِيَارِ وَالْحِكْمَةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} [الطور: 6] . فِيهِ قَوْلَانِ ; أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْبَحْرُ الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ الْأَوْعَالِ، وَأَنَّهُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ كَمَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، وَهُوَ الَّذِي يَنْزِلُ مِنْهُ الْمَطَرُ قَبْلَ الْبَعْثِ فَتَحْيَا مِنْهُ الْأَجْسَادُ مِنْ قُبُورِهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَحْرَ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ سَائِرَ الْبِحَارِ الَّتِي فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ فَقِيلَ: الْمَمْلُوءُ. وَقِيلَ: يَصِيرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا تُؤَجَّجُ فَيُحِيطُ بِأَهْلِ الْمَوْقِفِ. كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي

الصفحة 49

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text