كتاب البداية والنهاية ط هجر (اسم الجزء: 11)

إِنِّي زَعِيمٌ لَكِ أُمَّ وَهْبِ ... بِالطَّعْنِ فِيهِمْ مُقْدِمًا وَالضَّرْبِ
ضَرْبِ غُلَامٍ مُؤْمِنٍ بِالرَّبِّ
فَأَخَذَتْ أُمُّ وَهْبٍ عَمُودًا، ثُمَّ أَقْبَلَتْ نَحْوَ زَوْجِهَا تَقُولُ لَهُ: فِدَاؤُكَ أَبِي وَأُمِّي، قَاتِلْ دُونَ الطَّيِّبِينَ ذُرِّيَّةِ مُحَمَّدٍ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَأَقْبَلَ إِلَيْهَا يَرُدُّهَا نَحْوَ النِّسَاءِ، فَأَقْبَلَتْ تُجَاذِبُهُ ثَوْبَهُ. قَالَتْ: دَعْنِي أَكُونُ مَعَكَ. فَنَادَاهَا الْحُسَيْنُ: انْصَرِفِي إِلَى النِّسَاءِ فَاجْلِسِي مَعَهُنَّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ قِتَالٌ. فَانْصَرَفَتْ إِلَيْهِنَّ.
قَالَ: وَكَثُرَتِ الْمُبَارَزَةُ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَالنَّصْرُ فِي ذَلِكَ لِأَصْحَابِ الْحُسَيْنِ ; لِقُوَّةِ بَأْسِهِمْ، وَأَنَّهُمْ مُسْتَمِيتُونَ، لَا عَاصِمَ لَهُمْ إِلَّا سُيُوفُهُمْ، فَأَشَارَ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ عَلَى عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ بِعَدَمِ الْمُبَارَزَةِ، وَحَمَلَ عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ أَمِيرَ الْمَيْمَنَةِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: قَاتِلُوا مَنْ مَرَقَ مِنَ الدِّينِ، وَفَارَقَ الْإِمَامَ وَالْجَمَاعَةَ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: وَيْحَكَ يَا حَجَّاجُ! أَعَلَيَّ تُحَرِّضُ النَّاسَ؟ ! أَنَحْنُ مَرَقْنَا مِنَ الدِّينِ وَأَنْتُمْ ثَبَتُّمْ عَلَيْهِ؟ ! سَتَعْلَمُونَ إِذَا فَارَقَتْ أَرْوَاحُكُمْ أَجْسَادَكُمْ مَنْ أَوْلَى بِصِلِيِّ النَّارِ. وَقَدْ قُتِلَ فِي هَذِهِ الْحَمْلَةِ مُسْلِمُ بْنُ عَوْسَجَةَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ، فَمَشَى إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ، فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَلَى آخِرِ رَمَقٍ، وَقَالَ لَهُ حَبِيبُ بْنُ مُظَهِّرٍ: أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ: بَشَّرَكَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ. ثُمَّ قَالَ لَهُ حَبِيبٌ: لَوْلَا أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي عَلَى إِثْرِكَ لَاحِقُكَ، لَكُنْتُ أَقْضِي مَا تُوصِينِي بِهِ. فَقَالَ لَهُ مُسْلِمُ بْنُ عَوْسَجَةَ: أُوصِيكَ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى الْحُسَيْنِ - أَنْ تَمُوتَ

الصفحة 540

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text