كتاب البداية والنهاية ط هجر (اسم الجزء: 11)

دَرَى خَالِدٌ مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: قُلْ: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30] . فَسَكَتَ عَنْهُ سَاعَةً، ثُمَّ دَعَا بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فَرَأَى هَيْئَةً قَبِيحَةً، فَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ ابْنَ مَرْجَانَةَ، لَوْ كَانَتْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ وَرَحِمٌ مَا فَعَلَ هَذَا بِكُمْ، وَلَا بَعَثَ بِكُمْ هَكَذَا.
وَرَوَى أَبُو مِخْنَفٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَلِيٍّ قَالَتْ: لَمَّا أُجْلِسْنَا بَيْنَ يَدَيْ يَزِيدَ، رَقَّ لَنَا وَأَمَرَ لَنَا بِشَيْءٍ وَأَلْطَفنَا، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَحْمَرَ قَامَ إِلَى يَزِيدَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَبْ لِي هَذِهِ. يَعْنِينِي، وَكُنْتُ جَارِيَةً وَضِيئَةً، فَارْتَعَدْتُ فَزِعَةً مِنْ قَوْلِهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُمْ، فَأَخَذْتُ بِثِيَابِ أُخْتِي زَيْنَبَ، وَكَانَتْ أَكْبَرَ مِنِّي وَأَعْقَلَ، وَكَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَقَالَتْ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ وَلَؤُمْتَ، مَا ذَلِكَ لَكَ وَلَا لَهُ. فَغَضِبَ يَزِيدُ، فَقَالَ لَهَا: كَذَبْتِ، وَاللَّهِ إِنَّ ذَلِكَ لِي، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَفْعَلَهُ لَفَعَلْتُ. قَالَتْ: كَلَّا وَاللَّهِ، مَا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَكَ، إِلَّا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مِلَّتِنَا وَتَدِينَ بِغَيْرِ دِينِنَا. قَالَتْ: فَغَضِبَ يَزِيدُ وَاسْتَطَارَ، ثُمَّ قَالَ: إِيَّايَ تَسْتَقْبِلِينَ بِهَذَا؟ إِنَّمَا خَرَجَ مِنَ الدِّينِ أَبُوكِ وَأَخُوكِ. فَقَالَتْ زَيْنَبُ: بِدِينِ اللَّهِ وَدِينِ أَبِي وَدِينِ أَخِي وَجَدِّي، اهْتَدَيْتَ أَنْتَ وَأَبُوكَ وَجَدُّكَ. قَالَ: كَذَبْتِ يَا عَدُوَّةَ اللَّهِ. قَالَتْ: أَنْتَ أَمِيرٌ مُسَلَّطٌ، تَشْتُمُ ظَالِمًا وَتَقْهَرُ بِسُلْطَانِكَ. قَالَتْ: فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّهُ اسْتَحْيَا فَسَكَتَ، ثُمَّ قَامَ الشَّامِيُّ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَبْ لِي هَذِهِ. فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: اعْزُبْ وَهَبَ اللَّهُ لَكَ حَتْفًا قَاضِيًا.

الصفحة 562

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text