كتاب البداية والنهاية ط هجر (اسم الجزء: 16)

بِدِيَارِ مِصْرَ:
أَلَسْتُمْ مُزْيَلِي دَوْلَةَ الْكُفْرِ مِنْ بَنِي ... عُبَيْدٍ بِمِصْرَ إِنَّ هَذَا هُوَ الْفَضْلُ
زَنَادِقَةٌ شِيعِيَّةٌ بَاطِنِيَّةٌ ... مَجُوسٌ وَمَا فِي الصَّالِحِينَ لَهُمْ أَصْلُ
يُسَرُّونَ كُفْرًا يُظْهِرُونَ تَشَيُّعًا ... لِيَسْتَتِرُوا شَيْئًا وَعَمَّهُمُ الْجَهْلُ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَسْقَطَ الْمَلِكُ صَلَاحُ الدِّينِ عَنْ أَهْلِ مِصْرَ الْمُكُوسَ وَالضَّرَائِبَ، وَقُرِئَ الْمَنْشُورُ بِذَلِكَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ثَالِثَ صَفَرٍ، وَفِيهَا حَصَلَتْ نُفْرَةٌ بَيْنَ الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ وَالْمَلِكِ النَّاصِرِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَذَلِكَ أَنَّ نُورَ الدِّينِ غَزَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِلَادَ الْفِرِنْجِ فِي السَّوَاحِلِ، فَأَحَلَّ بِهِمْ بَأْسًا شَدِيدًا، وَقَرَّرَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْهُ نِقْمَةً وَوَعِيدًا، ثُمَّ عَزَمَ عَلَى مُحَاصَرَةِ الْكَرَكِ، وَكَتَبَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ يَلْتَقِيهِ بِالْعَسَاكِرِ الْمِصْرِيَّةِ إِلَى بِلَادِ الْكَرَكِ ; لِيَجْتَمِعَا هُنَالِكَ عَلَى الْمَصَالِحِ فِيمَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَتَوَهَّمَ مِنْ ذَلِكَ الْمَلِكُ صَلَاحُ الدِّينِ وَخَافَ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا الْأَمْرِ غَائِلَةٌ يَزُولُ بِهَا مَا حَصَلَ لَهُ مِنَ التَّمْكِينِ، وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ رَكِبَ فِي جَيْشِهِ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ لِيَقْصِدَ امْتِثَالَ الْمَرْسُومِ، فَسَارَ أَيَّامًا ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا مُعْتَلًّا بِقِلَّةِ الظَّهْرِ، وَالْخَوْفِ عَلَى اخْتِلَالِ الْأُمُورِ إِذَا بَعُدَ عَنْ مِصْرَ وَاشْتَغَلَ عَنْهَا، وَأَرْسَلَ يَعْتَذِرُ بِذَلِكَ إِلَى السُّلْطَانِ الْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَيْهِ، وَعَزَمَ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَانْتِزَاعِهَا مِنْ صَلَاحِ الدِّينِ، وَتَوْلِيَةِ غَيْرِهِ وَلَمَّا بَلَغَ هَذَا الْخَبَرُ صَلَاحَ الدِّينِ ضَاقَ بِذَلِكَ ذَرْعُهُ، وَذَكَرَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْأُمَرَاءِ وَالْكُبَرَاءِ فَبَادَرَ ابْنُ أَخِيهِ

الصفحة 459

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text