كتاب البداية والنهاية ط هجر (اسم الجزء: 16)

الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَاقَ حَتَّى اجْتَازَ بِمَدِينَةِ بُصْرَى فَسَارَ فِي خِدْمَتِهِ صَاحِبُهَا صِدِّيقُ بْنُ جَاوْلِي، فَدَخَلَ مَدِينَةَ دِمَشْقَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ سَلْخَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَنْتَطِحْ فِيهَا عَنْزَانِ، وَلَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ سَيْفَانِ ; وَذَلِكَ أَنَّ نَائِبَهَا شَمْسَ الدِّينِ بْنَ مُقَدَّمٍ، كَانَ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ أَوَّلًا فَأَغْلَظَ لَهُ فِي الْكِتَابِ، فَلَمَّا رَأَى أَمْرَهُ مُتَوَجِّهًا جَعَلَ يُكَاتِبُهُ وَيَسْتَحِثُّهُ عَلَى الْقُدُومِ إِلَى دِمَشْقَ وَيَعِدُهُ بِتَسْلِيمِ الْبَلَدِ، فَلَمَّا رَأَى الْجِدَّ لَمْ يُمْكِنْهُ الْمُخَالَفَةُ فَسَلَّمَ الْبَلَدَ إِلَيْهِ بِلَا مُدَافَعَةٍ فَنَزَلَ السُّلْطَانُ أَوَّلًا فِي دَارِ وَالِدِهِ ; وَهِيَ دَارُ الْعَقِيقِيِّ الَّتِي بُنِيَتْ مَدْرَسَةً لِلْمَلِكِ الظَّاهِرِ، وَجَاءَ الْقَاضِي وَأَعْيَانُ الدَّمَاشِقَةِ لِلسَّلَامِ عَلَى السُّلْطَانِ فَرَأَوْا مِنْهُ غَايَةَ الْإِحْسَانِ، وَكَانَ فِي الْقَلْعَةِ إِذْ ذَاكَ الطَّوَاشِيُّ جَمَالُ الدِّينِ رَيْحَانٌ الْخَادِمُ، فَلَمْ يَزَلْ يُكَاتِبُهُ وَيَفْتِلُ لَهُ فِي الذُّرْوَةِ وَالْغَارِبِ حَتَّى اسْتَمَالَهُ وَأَجْزَلَ ثَوَابَهُ فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، وَوَفَدَ عَلَيْهِ، وَمَثَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَكْرَمَهُ وَاحْتَرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَأَظْهَرَ الْمَلِكُ النَّاصِرُ أَنَّهُ أَحَقُّ النَّاسِ بِتَرْبِيَةِ وَلَدِ نُورِ الدِّينِ ; لِمَا لِنُورِ الدِّينِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِحْسَانِ الْمَتِينِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ خَطَبَ لِنُورِ الدِّينِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَضَرَبَ بِاسْمِهِ السِّكَّةَ، ثُمَّ عَامَلَ النَّاسَ بِالْإِحْسَانِ وَأَمَرَ بِإِبْطَالِ مَا أُحْدِثَ بَعْدَ نُورِ الدِّينِ مِنَ الْمُكُوسِ وَالضَّرَائِبِ وَأَقَامَ الْحُدُودَ وَأَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ.

فَصْلٌ
فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ لَهُ دِمَشْقُ بِحَذَافِيرِهَا لَمْ يَلْبَثْ أَنْ نَهَضَ إِلَى حَلَبَ مُسْرِعًا ; لِمَا فِيهَا مِنَ التَّخْبِيطِ وَالتَّخْلِيطِ وَاسْتَنَابَ عَلَى دِمَشْقَ أَخَاهُ طُغْتِكِينَ بْنَ أَيُّوبَ،

الصفحة 501

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text