كتاب البداية والنهاية ط هجر (اسم الجزء: 17)

حِمْصَ وَوَصَلُوا إِلَى حِمْصَ وَهِيَ مُغَلَّقَةُ الْأَبْوَابِ، فَقَتَلُوا خَلْقًا مِنَ الْعَامَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَشْرَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى خُطَّةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الْهَلَاكِ، ثُمَّ إِنَّ أَعْيَانَ الْأُمَرَاءِ مِنَ الشُّجْعَانِ وَالْفُرْسَانِ تَذَامَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ; مِثْلَ سُنْقُرَ الْأَشْقَرِ وَبَيْسَرِي وَطَيْبَرْسَ الْوَزِيرِيِّ وَبَدْرِ الدِّينِ أَمِيرِ سِلَاحٍ وَأَيْتَمُشَ السَّعْدِيِّ وَحُسَامِ الدِّينِ لَاجِينَ وَحُسَامِ الدِّينِ طُرُنْطَايَ وَالدَّوَادَارِيِّ وَأَمْثَالِهِمْ، لَمَّا رَأَوْا ثَبَاتَ السُّلْطَانِ رَدُّوا إِلَى السُّلْطَانِ، وَحَمَلُوا حَمَلَاتٍ مُتَعَدِّدَةً صَادِقَةً، وَلَمْ يَزَالُوا يُتَابِعُونَ الْحَمْلَةَ بَعْدَ الْحَمْلَةِ حَتَّى كَسَرَ اللَّهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ التَّتَرَ، وَجُرِحَ مَنْكُوتَمُرُ، وَجَاءَهُمُ الْأَمِيرُ عِيسَى بْنُ مُهَنَّا مِنْ نَاحِيَةِ الْعَرْضِ فَصَدَمَ التَّتَرَ، فَاضْطَرَبَتِ الْجُيُوشُ لِصَدْمَتِهِ، وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَقَتَلُوا مِنَ التَّتَارِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً جِدًّا، وَرَجَعَتِ الطَّائِفَةُ مِنَ التَّتَرِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الْمُنْهَزِمِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَوَجَدُوا أَصْحَابَهُمْ قَدْ كُسِرُوا، وَالْعَسَاكِرُ فِي آثَارِهِمْ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ، وَالسُّلْطَانُ ثَابِتٌ فِي مَكَانِهِ تَحْتَ السَّنَاجِقِ، وَالْكُوسَاتُ تُضْرَبُ خَلْفَهُ، وَمَا مَعَهُ إِلَّا نَحْوُ أَلْفِ فَارِسٍ، فَطَمِعُوا فِيهِ فَقَاتَلُوهُ، فَثَبَتَ لَهُمْ ثَبَاتًا عَظِيمًا، فَانْهَزَمُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَلِحَقَهُمْ فَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ تَمَامَ النَّصْرِ، وَكَانَ انْهِزَامُ التَّتَرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَافْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ; أَخَذَتْ فِرْقَةٌ مِنْهُمْ إِلَى نَاحِيَةِ سَلَمْيَةَ وَالْبَرِّيَّةِ، وَالْأُخْرَى إِلَى نَاحِيَةِ حَلَبَ وَالْفُرَاتِ، فَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ فِي آثَارِهِمْ مَنْ يَتْبَعُهُمْ، وَجَاءَتِ الْبِطَاقَةُ بِالْبِشَارَةِ بِمَا وَقَعَ مِنَ النَّصْرِ إِلَى دِمَشْقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خَامِسَ عَشَرَ رَجَبٍ، فَدَقَّتِ الْبَشَائِرُ، وَزُيِّنَتِ الْبَلَدُ، وَأُوقِدَتِ الشُّمُوعُ، وَفَرِحَ النَّاسُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ يَوْمَ السَّبْتِ

الصفحة 575

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text