كتاب البداية والنهاية ط هجر (اسم الجزء: 17)

الطُّرْنِ. وَحَضَرَ الْفَرَمَانُ بِالْأَمَانِ، وَطِيفَ بِهِ فِي الْبَلَدِ وَقُرِئَ يَوْمَ السَّبْتِ ثَامِنِ الشَّهْرِ بِمَقْصُورَةِ الْخَطَابَةِ، وَنُثِرَ شَيْءٌ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنَ الْمُنَادَاةِ بِالْأَمَانِ طُلِبَتِ الْخُيُولُ وَالسِّلَاحُ وَالْأَمْوَالُ الْمُخَبَّأَةُ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ جِهَةِ الدَّوْلَةِ، وَجَلَسَ دِيوَانُ الِاسْتِخْلَاصِ إِذْ ذَاكَ بِالْمَدْرَسَةِ الْقَيْمُرِيَّةِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ عَاشِرِ الشَّهْرِ قَدِمَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ قَبْجَقُ الْمَنْصُورِيُّ، فَنَزَلَ بِالْمَيْدَانِ، وَاقْتَرَبَ جَيْشُ التَّتَارِ، وَكَثُرَ الْعَيْثُ فِي ظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ بِالْبَلَدِ جِدًّا، وَضَاقَ الْحَالُ عَلَيْهِمْ، وَأَرْسَلَ قَبْجَقُ إِلَى نَائِبِ الْقَلْعَةِ لِيُسَلِّمَهَا إِلَى التَّتَارِ، فَامْتَنَعَ أَرْجُوَاشُ مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ، فَجَمَعَ لَهُ قَبْجَقُ أَعْيَانَ الْبَلَدِ، فَكَلَّمُوهُ أَيْضًا، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَصَمَّمَ عَلَى تَرْكِ تَسْلِيمِهَا إِلَيْهِمْ وَفِيهَا عَيْنٌ تَطْرُفُ، فَإِنَّ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ ابْنَ تَيْمِيَةَ أَرْسَلَ إِلَى نَائِبِ الْقَلْعَةِ يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ، فَاشْتَدَّ عَزْمُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُ: لَوْ لَمْ يَبْقَ فِيهَا إِلَّا حَجَرٌ وَاحِدٌ، فَلَا تُسَلِّمْهُمْ ذَلِكَ إِنِ اسْتَطَعْتَ. وَكَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَهْلِ الشَّامِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَفِظَ لَهُمْ هَذَا الْحِصْنَ وَالْمَعْقِلَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ حِرْزَا لِأَهْلِ الشَّامِ الَّتِي لَا تَزَالُ دَارَ أَمَانٍ وَسُنَّةٍ، حَتَّى يَنْزِلَ بِهَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَفِي يَوْمِ دُخُولِ قَبْجَقَ إِلَى دِمَشْقَ دَخَلَ السُّلْطَانُ وَنَائِبُهُ سَلَّارُ إِلَى مِصْرَ كَمَا جَاءَتِ الْبَطَائِقُ بِذَلِكَ إِلَى الْقَلْعَةِ، وَدَقَّتِ الْبَشَائِرُ بِهَا، فَقَوِيَ جَأْشُ النَّاسِ بَعْضَ الشَّيْءِ، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ كَمَا يُقَالُ:

الصفحة 720

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text