كتاب البداية والنهاية ط هجر (اسم الجزء: 18)

اللُّصُوصُ وَالْحَرَافِيشُ فِيهِ وَفِي بَسَاتِينِ النَّاسِ يُخَرِّبُونَ وَيَنْهَبُونَ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ، وَيَقْطَعُونَ الْمِشْمِشَ قَبْلَ أَوَانِهِ، وَكَذَلِكَ الْبَاقِلَّاءُ، وَالْقَمْحُ، وَالشَّعِيرُ، وَسَائِرُ الْخُضْرَاوَاتِ، وَحِيلَ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ خَبَرِ الْجَيْشِ، وَانْقَطَعَتِ الطُّرُقُ إِلَى الْكُسْوَةِ، وَظَهَرَتِ الْوَحْشَةُ عَلَى الْبَلَدِ وَالْحَوَاضِرِ، وَلَيْسَ لِلنَّاسِ شُغُلٌ غَيْرُ الصُّعُودِ إِلَى الْمَآذِنِ يَنْظُرُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا وَإِلَى نَاحِيَةِ الْكُسْوَةِ، فَتَارَةً يَقُولُونَ: رَأَيْنَا غَبَرَةً.
فَيَخَافُونَ أَنْ تَكُونَ مِنَ التَّتَرِ، وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ خَبَرِ الْجَيْشِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ، وَجَوْدَةِ عُدَّتِهِمْ أَيْنَ ذَهَبُوا! وَلَا يَدْرُونَ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ، فَانْقَطَعَتِ الْآمَالُ، وَأَلَحَّ النَّاسُ فِي الدُّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ، وَفِي الصَّلَوَاتِ، وَفِي كُلِّ حَالٍ، وَذَلِكَ يَوْمُ الْخَمِيسِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ، وَكَانَ النَّاسُ فِي خَوْفٍ وَرُعْبٍ لَا يُعَبَّرُ عَنْهُ، لَكِنْ كَانَ الْفَرَجُ مِنْ ذَلِكَ قَرِيبًا، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ: «عَجِبَ رَبُّكَ مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ، وَقُرْبِ غِيَرِهِ، يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ أَزِلِينَ قَنِطِينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ، يَعْلَمُ أَنَّ فَرَجَكُمْ قَرِيبٌ» . فَلَمَّا كَانَ آخِرُ هَذَا الْيَوْمِ وَصَلَ الْأَمِيرُ فَخْرُ الدِّينِ أَيَاسٌ الْمَرْقَبِيُّ أَحَدُ أُمَرَاءِ دِمَشْقَ، فَبَشَّرَ النَّاسَ بِخَيْرٍ، وَهُوَ أَنَّ السُّلْطَانَ قَدْ وَصَلَ وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ الْمِصْرِيَّةُ وَالشَّامِيَّةُ، وَقَدْ أَرْسَلَنِي أَكْشِفُ هَلْ طَرَقَ الْبَلَدَ أَحَدٌ مِنَ التَّتَرِ؟ فَوَجَدَ الْأَمْرَ كَمَا يُحِبُّ،

الصفحة 25

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text