كتاب البداية والنهاية ط هجر (اسم الجزء: 18)

اللَّهُ - يُبْطِلُ الْمُكُوسَاتِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ مِمَّا فِيهِ مَضَرَّةٌ بِالْمُسْلِمِينَ، وَبَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّ مِنْ عَزْمِهِ أَنْ يُبْطِلَ جَمِيعَ ذَلِكَ إِنْ أَمْكَنَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، آمِينَ، انْتَهَى.

[وَاقِعَةٌ غَرِيبَةٌ وَاتِّفَاقٌ عَجِيبٌ]
تَنْبِيهٌ عَلَى وَاقِعَةٍ غَرِيبَةٍ وَاتِّفَاقٍ عَجِيبٍ
نَائِبُ السَّلْطَنَةِ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ بَيْدَمُرُ - فِيمَا بَلَغْنَا - فِي نَفْسِهِ عَتَبَ عَلَى أَتَابَكِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ يَلْبُغَا الْخَاصِّكِيِّ مُدَبِّرِ الدَّوْلَةِ بِهَا، وَقَدْ تَوَسَّمَ وَتَوَهَّمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَسْعَى فِي صَرْفِهِ عَنِ الشَّامِ، وَفِي نَفْسِ نَائِبِنَا قُوَّةٌ وَصَرَامَةٌ شَدِيدَةٌ، فَتَنَسَّمَ مِنْهُ بِبَعْضِ الْإِبَاءِ عَنْ طَاعَةِ يَلْبُغَا مَعَ اسْتِمْرَارِهِ عَلَى طَاعَةِ السُّلْطَانِ، وَأَنَّهُ إِنِ اتَّفَقَ عُزِلَ مِنْ قِبَلِ يَلْبُغَا أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُطِيعُ، فَعَمِلَ أَعْمَالًا، وَاتَّفَقَ فِي غُضُونِ هَذَا الْحَالِ مَوْتُ نَائِبِ الْقَلْعَةِ الْمَنْصُورَةِ بِدِمَشْقَ، وَهُوَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ بُرْتَاقٌ النَّاصِرِيُّ، فَأَرْسَلَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَحَاشِيَتِهِ مَنْ يَتَسَلَّمُ الْقَلْعَةَ بِرُمَّتِهَا، وَدَخَلَ هُوَ بِنَفْسِهِ إِلَيْهَا، وَطَلَبَ الْأَمِيرَ زَيْنَ الدِّينِ زُبَالَةَ الَّذِي كَانَ فَقِيهًا ثُمَّ نَائِبَهَا، وَهُوَ مِنْ أَخْبَرِ النَّاسِ بِهَا وَبِخَطَّاتِهَا وَحَوَاصِلِهَا، فَدَارَ مَعَهُ فِيهَا، وَأَرَاهُ حُصُونَهَا، وَبُرُوجَهَا، وَمَفَاتِحَهَا، وَأَغْلَاقَهَا، وَدُورَهَا، وَقُصُورَهَا، وَعُدَدَهَا، وَبِرْكَتَهَا، وَمَا هُوَ مُعَدٌّ فِيهَا وَلَهَا، وَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْ هَذَا الِاتِّفَاقِ فِي هَذَا الْحَالِ، حَيْثُ لَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنَ النُّوَّابِ قَبْلَهُ قَطُّ، وَفُتِحَ الْبَابُ الَّذِي هُوَ تُجَاهَ دَارِ السَّعَادَةِ، وَجَعَلَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ يَدْخُلُ مِنْهُ إِلَى الْقَلْعَةِ، وَيَخْرُجُ بِخَدَمِهِ، وَحَشَمِهِ، وَأُبَّهَتِهِ; لِيَكْشِفَ أَمْرَهَا، وَيَنْظُرَ فِي مَصَالِحِهَا - أَيَّدَهُ اللَّهُ.

الصفحة 629

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text