كتاب بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد ت الدسوقي

ومِمَّا جاء في كلامِ صواحِبِها منَ التَّشبِيهِ: قولُ الثَّالثةِ: «عَلَى مِثْلِ حَدِّ السِّنانِ المُذَلَّقِ»، فصدقَتِ التَّشبيهَ؛ لأنَّها أخبرتْ / أنَّ حالَها معه منَ الخوفِ وعدمِ / الاستقرارِ، كمَنْ هو على مِثلِ حدِّ السِّنانِ المُحدَّدِ: إمَّا أنْ تَحيدَ عنه فتهْلَكَ سقوطًا، أو تَثبُتَ فيُهلِكَهَا، فبيَّنتْ بهذا التَّشبيهِ قولَها قَبْلُ: «إنِ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ، وإنْ أَنْطِقْ أُطَلِّقْ».
وكذلِك تشبِيهُ الأُخرى زوجَهَا بِليلِ تِهَامَةَ، وغَيثِ غَمَامَةَ، وهذا كُلُّه مِنْ تشبِيهِ الخَفِيِّ بالجَلِيِّ، والمُتوَهَّمِ بالمَحسُوسِ، وهوَ مِنَ / بابِ المُبالغةِ والغُلُوِّ.
ومِثلُ هذا قولُ أُمِّ زرعٍ: «مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ»، فهو مِنْ بابِ الغُلُوِّ، إلى سائِرِ ما عِندهُنَّ منَ التَّشبِيهاتِ، فكُلُّها حِسانٌ بيِّناتٌ، قد تقدَّمُ الكلامُ عليها في مواضِعِهَا.
وقولُ الثَّامِنةِ: «المَسُّ مَسُّ أَرْنِبٍ، والرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ» تشبِيهٌ أيضًا، ولكنْ بِغيرِ / أدَاةِ التَّشبِيهِ؛ فإنَّ التَّشبِيهَ على ضَرْبَيْنِ: بأداتِهِ: وهِي الكافُ، وكأنَّ، ومِثلُ، وشِبْهُ وأخواتُها، وبغيرِ أداةِ التَّشبيهِ، ومثلهُ قولُ أمِّ زرعٍ: «يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهِا بِرُمَّانَتَيْنِ» على تأوِيلِ أنَّهما النَّهْدانِ، ومثلُهُ / قولُ الرَّابِعةِ: «والغَيْثُ
غَيْثُ غَمَامَةٍ»، فهذا تشبِيهٌ بغيرِ آلةِ التَّشبِيهِ، كقولِه تعالى: {تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل: ٨٨].
وكقول امرِئ القَيْسِ (¬١):
سَمَوْتُ إِلَيْهَا بَعْدَ مَا نَامَ أَهْلُهَا ... سُمُوَّ حَبَابِ المَاءِ حَالًا عَلَى حَال
ثم انظر حُسنَ نظمِ كلامِها وتَطارُدِهِ، وأخذِهِ حقَّهُ مِنَ المُؤالَفَةِ والمُناسبَةِ
---------------
(¬١) البيت من الطويل في «ديوان امرئ القيس» (ص: ١٣٧)، وينظر: «الشعر والشعراء» (١/ ١٣٦).

الصفحة 342