كتاب البرهان في علوم القرآن للإمام الحوفي - سورة يوسف

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
¬__________
= ومع أن أكثر النحويين يوجد في كلامهم التعبيرُ بالزيادة في القرآن وكلام العرب، إلا أن مرادهم بذلك أنها زيدت لضرب من التأكيد كما قال بعضهم كابن يعيش، ويعبرون بالصلة لأنها يتوصل بها إلى زنة أو إعراب لم يكن عند حذفها كما قال ابن الحاجب: أو لتزيين اللفظ، واستقامته كما قال السيوطي.
وأما البلاغيون فقد تعرضوا لهذه المسألة إجمالا وتفصيلا:

أما التفصيل فقل أن ترى آية في كتاب الله- عز وجل- تحتمل الزيادة إلا وجدت كلاما فيها للمفسرين، وخاصة أصحاب الاتجاه النحوي والبلاغي، كالزمخشري، وأبي حيان، والسمين الحلبي، والألوسي، وابن عاشور.
وأما الإجمال فقد اتفقت كلمتهم، أو كادت على أن الكلام البليغ يمتنع أو يندر أن يوجد فيه الزيادة المحضة التي يكون دخولها كخروجها، فإذا كان هذا من شروط الكلام البليغ فهو في القرآن أولى، ولذلك نبهوا على أن القرآن لا يحتوي على شيء زائد، ونبهوا على أن النحويين إذا ذكروا الزيادة والحشو ونحو ذلك فإن مقصودهم بذلك ضبط قوانين الإعراب، وأن حذف هذه الحروف لا يخل بالإعراب ولا يخرج الكلام عن قوانين العربية، ويبقى بعد ذلك بيان الفروق الدقيقة بين معنى الكلام بالزيادة ومعناه بغيرها، وتلك وظيفة البلاغي. وممن أشار إلى ذلك من القدماء: ابن قتيبة الدينوري (ت: 276 هـ) تعرض لهذه المسألة باختصار في (تأويل مشكل القرآن) وجعلها من باب التوكيد. الرماني (ت: 384 هـ): أشار إلى ذلك في كتابه الجامع كما نقله ابن سنان الخفاجي في سر الفصاحة. الخطابي (ت: 388 هـ): تعرض لهذه المسألة في (إعجاز القرآن) وجعلها من باب الفصاحة، لأن ذكرها أفصح من تركها.
ابن سنان الخفاجي (ت: 466 هـ): تعرض لهذه المسألة في (سر الفصاحة) فقال (ص 156 - 157): "فأما زيادة (ما) في قول الله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} سورة آل عمران، الآية: (159). وقوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} سورة المائدة، الآية: (13). فإن لها هنا تأثيرًا في حسن النظم وتمكينًا للكلام في النفس، وبعدًا به عن الألفاظ المبتذلة، فعلى هذا لا يكون حشوًا لا يفيد. الجرجاني، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي (ت: 471 هـ)، أسرار البلاغة، قرأه وعلق عليه: محمود محمد شاكر، (القاهرة: مطبعة المدني، جدة: دار المدني)، 1/ 416 - 417 - 418 - 420 - 423.وخلاصة رأيه أن الزيادة المفيدة تعني انتقال الحرف من دلالته أو إيحائه الأصلي إلى دلالة أو إيحاء آخر.
الزمخشري (ت: 538 هـ): تعرض في (الكشاف) لهذه المسألة في مواضعها، وجاء بفوائد ولطائف لا نكاد نجدها عند من سبقه، فهو لا يتوقف عند مجرد التوكيد كما يذكر السابقون، بل يبين الدلالة المتعلقة بكل موضع، ويربطها بالسياق، ويوضح فائدتها البلاغية. ويقول ضياء الدين ابن الأثير، نصر الله بن محمد (ت: 637 هـ)،: " أني لو سلمت أن ذلك من المجاز لأنكرت أن لفظة "ما" زائدة لا معنى لها، ولكنها وردت تفخيمًا لأمر النعمة التي لان بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: وهي محض الفصاحة: ولو عري الكلام منها لما كانت له تلك الفخامة. وأما الغزالي -رحمه الله، فإنه معذور عندي في ألا يعرف ذلك؛ لأنه ليس فنه. ومن ذهب إلى أن في القرآن لفظا زائدا لا معنى له، فإما أن يكون جاهلا بهذا القول، وإما أن يكون متسمحا في دينه واعتقاده. =

الصفحة 139