كتاب البرهان في علوم القرآن للإمام الحوفي - سورة يوسف
ودليل أنهم لم يعلموا أنه يوسف, استفهامهم له بقوله: {أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ} ولم يستفهموا عن أخيه, لأنهم عالمون به.
وقوله تعالى: {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ} يقول تعالى: وجاء إخوة يوسف أباهم بعد ما ألقوا يوسف في غيابة الجب عشاءً يبكون, وروي عن السدي قال (¬1): أقبلوا إلى أبيهم عشاءً يبكون, فلما سمع أصواتهم فزع, وقال: مالكم يا بني: هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا, قال: فما فعل يوسف؟ (¬2) قالوا: {يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} فبكى الشيخ, وصاح بأعلى صوته, وقال: أين القميص؟ فجاءوه بالقميص, عليه دم كذب, فأخذ القميص وطرحه على وجهه وبكى, حتى تخضب وجهه من دم القميص (¬3). ومعنى قولهم نستبق: نفتعل من السباق (¬4). وقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} يقولون: بِمُصَدِّقِنَا عَلَى قولنا أن يوسف أكله الذئب, {وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} , فإن قال قائل: وما معنى قوله: {وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} أخبر عنهم أنهم غير صادقين, فذلك تكذيب منهم أنفسهم, أم خبر منهم عن أبيهم أنه لا يصدقهم لو صدقوه, فقد علمت أنهم لو صدقوا أباهم الخبر لصدقهم؟ قيل معنى ذلك: وما أنت بمصدق لنا ولو كنا من أهل الصدق الذين لا يُتَّهَمُونَ لِسُوءِ ظنك بنا وَتُهْمَتِك لَنَا (¬5).
وقوله تعالى: {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} أي: وجاءوا على قميص يوسف بدم كذب أي: ذي كذب, وقيل المصدر وقع موقع المفعول, كما يقع المفعول موقع المصدر, فمعنى كذب
¬_________
(¬1) ابن أبي حاتم، مرجع سابق، 7/ 2110.الثعلبي، مرجع سابق، 5/ 202.
(¬2) القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، 4/ 222.
(¬3) ابن جرير، مرجع سابق، 13/ 34. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، 7/ 2110.القيسي، الهداية إلى بلوغ النهاية، مرجع سابق، 5/ 3518.
(¬4) الماوردي، مرجع سابق، 3/ 14.
(¬5) ابن جرير، مرجع سابق، 13/ 34.الثعلبي، مرجع سابق، 5/ 203.