كتاب البرهان في علوم القرآن للإمام الحوفي - سورة يوسف

معاذ الله (¬1) , وقولُهُ: {مَا هَذَا بَشَرًا} أي: قُلْنَ: مَا هَذَا بَبشَرٍ; لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَرَيْنَ فِي حُسْن صُورَته مِنَ الْبَشَر أَحَدًا, فَقُلْنَ: لَوْ كَانَ مِنَ الْبَشَر لَكَانَ كَبَعْضِ من رَأَيْنَا مِنْ صُورَة الْبَشَر, وَلَكِنَّهُ مِنَ الْمَلَائِكَة لَا مِنَ الْبَشَر.
وقوله تعالى: {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} أي: قَالَتْ امْرَأَة الْعَزِيز لِلنِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ, فَهَذَا الَّذِي أَصَابَكُنَّ فِي رُؤْيَتِكُنَّ إِيَّاهُ فِي نَظْرَةٍ مِنْكُنَّ نَظَرْتُنَّ إِلَيْهِ مَا أَصَابَكُنَّ مِنْ ذَهَاب الْعَقْل وَغُرُوب الْفَهْم وَلَهًا إِلَيْهِ حَتَّى قطعن (¬2) أَيْدِيَكُنَّ، هُوَ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِي حُبِّي إِيَّاهُ وَشَغَف فُؤَادِي بِهِ، فَقُلْتُنَّ: قَدْ شَغَفَ امْرَأَةَ الْعَزِيز فَتَاهَا حُبًّا {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَال مُبِين}. ثُمَّ أَقَرَّتْ لَهُنَّ بِأَنَّهَا قَدْ رَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسه، وَأَنَّ الَّذِي تَحَدَّثْنَ بِهِ عَنْهَا فِي أَمْره حَقّ، فَقَالَتْ {وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} أي: امتنع مِمَّا رَاوَدْتهُ عليه, قال السدّي: استعصم بعد ما أحل السراويل, لا أدري ما بدا له, وقال قتادة: فاستعصم, وقال ابن عباس: فامتنع وإن لم يُطَاوِعْنِي إلى مَا أَدْعُوهُ إِلَيْهِ مِنْ حَاجَتِي إِلَيْهِ لَيُسْجَنَنَّ في السجن, وَلَيَكُونَا مِنْ أَهْل الصَّغَار وَالذِّلَّة بِالْحَبْسِ وَالسَّجْن، وَلَأُهِينَنَّهُ (¬3).
وقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} هَذَا الْخَبَر مِنَ اللَّه تعالى يَدُلّ عَلَى أَنَّ امْرَأَة الْعَزِيز قَدْ عَاوَدَتْ يُوسُف فِي الْمُرَاوَدَة عَنْ نَفْسه، وَتَوَعَّدَتْهُ بِالسَّجْنِ وَالْحَبْس إِنْ لَمْ يَفْعَل مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ، فَاخْتَارَ -صلى الله عليه- السَّجْن عَلَى مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ عَاوَدَتْهُ وَتَوَعَّدَتْهُ بِذَلِكَ، كَانَ مُحَالًا أَنْ يَقُول: {رَبِّ السِّجْن أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} , وَهُوَ لَا يُدْعَى إِلَى شَيْء وَلَا يُخَوَّف بِحَبْسٍ. وَالسِّجْن: المحَبْس نَفْسه، وَهُوَ بَيْت الْحَبْس, وتأويل الكلام: قال يوسف:
¬_________
(¬1) ابن جرير، مرجع سابق، 16/ 83. ابن أبي حاتم، مرجع سابق، 7/ 2136.
(¬2) كذا في الأصل"قطعن" والظاهر والله أعلم "قطعتْن" كما هو ظاهر السياق.
(¬3) ابن جرير، مرجع سابق، 16/ 87،86. فخر الدين الرازي، مرجع سابق، 18/ 104. الشوكاني، مرجع سابق، 3/ 30. فائدة: لا يجد المؤمن معتصماً يعتصم به عند تعرضه للفتن على اختلاف أنواعها خيرا له من حصن رب العالمين فهو وحده معتصمه الوحيد. نصر والهلالي، مرجع سابق, 1/ 404.

الصفحة 193