كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 3)

العبادةَ، فمعنى قوله: {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ}، أي: سلّم وجهه له، بأن صانه عن السجود لغيره، وخَصَّ الوجه، لأنه إذا جاد بوجهه في السجودِ لم يبخل بسائر جوارحه. وقال قومٌ من أهل المعاني: أسلمَ وجهَه أي: أسلمَ نفسه وجميع بدنه لأمر الله، والعرب تستعملُ الوجه وهم يريدون نفسَ الشيء، إلا أنَّهم يذكرونه باللفظ الأشرف (¬1)، كما قال: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88].
وقال جماعة: الوجهُ قد يقع صلةً في الكلام (¬2)، فقوله: {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} أي: انقاد هو لله، ومثله: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} [آل عمران: 20] أي: انقدت لله بلساني وعَقْدي (¬3)، قال زيد بن عمرو بن نفيل (¬4):
وأسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ ... له المزنُ تحملُ عَذْبًا زُلالًا (¬5)
¬__________
(¬1) قال القرطبي في "تفسيره" 1/ 67: والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 352.
(¬2) ذكره أبو حيان في: "البحر المحيط" 1/ 352 معاني (أسلم وجهه) بأنه: أخلص عمله لله أو قصده، أو فوض أمره إلى الله تعالى، أو خضع وتواضع. ثم قال: وهذه أقوال متقاربة في المعنى، وإنما يقولها السلف على ضرب المثال، لا على أنها متعينة يخالف بعضها بعضًا.
(¬3) في (ش): (وعقيدتي).
(¬4) هو: زيد بن عمرو بن نفيل العَدَوي، ابنُ عَمِّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يعادي عبادة الأوثان، ولا يأكل مما ذبح عليها، آمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل بعثته، قال فيه - صلى الله عليه وسلم -: "إنه يبعث أمة وحده" توفي قبل البعثة بخمسِ سنين. ينظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 105، و"الإصابة" 1/ 569.
(¬5) هما بيتان ذكرهما الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1119 هكذا:
أسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخرًا ثقالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبًا زلالا =

الصفحة 247