كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 3)

وحُكي عن أبي بكر الوراق (¬1) أنه قال في معنى هذا الحديث: من عرف نفسه مخلوقة مرزوقة بلا حول ولا قوة، عرف ربه خالقًا رازقًا بالحول والقوة (¬2)، وقد أوحى الله إلى داود: كيف عرفتني، وكيف عرفت نفسك؟ فقال: عرفتك بالقدرة والقوة والبقاء، وعرفتُ نفسي بالعجز والضعف والفناء، فقال: الآن عرفتني (¬3). فإذا كان من عرف نفسه عرف ربه، كان من جهل نفسه جهل ربه حتى يرغب (¬4) عن ملة إبراهيم.
ثم بعد هذه الأقوال، قد حكي عن الخليل قول حَسَنٌ، وهو أنه قال: تجيء أفعال تتعدى إلى النفس خاصة، نحو: سَفِه نفسَه وصَبَر نفسَه، ولا يقال: سَفهتُ زيدا (¬5) ولا صبرتُه، قال عنترة (¬6):
فصبرتُ عارفةً لذلك حُرّةً ... ترسُو إذا نفسُ الجبان تَطَلَّعُ (¬7)
أراد: صبرتُ نفسًا عارفة. وبهذا قال الكسائي، فقال في قوله: {سَفِهَ نَفْسَهُ} و {بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} [القصص: 58]، {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 150]، ووجع بطنَه، ورشِد أمرَهُ وخسِر نفسَه: هذه حروف تقولها العرب
¬__________
(¬1) الإمام المحدث أبو بكر محمد بن إسماعيل بن العباس البغدادي المستملي الوراق، تقدمت ترجمته [البقرة: 6].
(¬2) ذكره في "الوسيط" 1/ 214.
(¬3) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 215، والبغوي 1/ 153.
(¬4) في (م): (حتى يذهب يرغب).
(¬5) في (م): (سفهت نفسه زيدًا).
(¬6) هو عنترة بن عمرو بن شداد العبسي، من أشهر فرسان العرب وشجعانهم، من أصحاب المعلقات، يعد من الطبقة السادسة لفحول شعراء الجاهلية. ينظر: "الشعر والشعراء" ص 149، "الأعلام" 5/ 91.
(¬7) البيت لعنترة، تقدم تخريجه [البقرة: 44].

الصفحة 334