والوالبي (¬1): لما نزل في أمر اليتامى {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ} [الإسراء: 34] وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى} [النساء: 10] اعتزلوا أموالهم، وعزلوا طعامهم، واجتنبوا مخالطتهم في كل شيء، حتى كان يصنع لليتيم طعامٌ، فيفضل منه شيء فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد، وكان صاحب اليتيم يفرد له منزلًا وطعامًا وشرابًا، فعظم ذلك على ضَعَفَةِ المسلمين، فقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله! ما لكلنا منازل يسكنها الأيتام (¬2)، ولا كلُّنا يجد طعامًا وشرابًا يفردهما (¬3)، ونزلت: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} عني: الإصلاح لأموالهم من غير أجرة ولا أخذ عوض منهم خير وأعظم أجرًا، وقيل: مخالطتهم بالإصلاح لهم وتعريفهم ما فيه حظهم خير من التفرد منهم (¬4).
{وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ} أي: تشاركوهم في أموالهم وتخلطوها بأموالكم، فتصيبوا من أموالهم عوضًا من قيامكم بأمورهم، أو تكافؤهم على ما تصيبون من أموالهم.
والمخالطة: جَمْعٌ يَتَعَذَّرُ معه التمييز، يقال: استَخْلط الفَحْل: إذا
¬__________
(¬1) رواه عنه الطبري 2/ 370، وذكره الثعلبي 2/ 902.
(¬2) قول ابن عباس من رواية سعيد رواه أبو داود (2871) كتاب الوصايا، باب: مخالطة اليتيم في الطعام، والنسائي 6/ 256 كتاب الوصايا، باب: ما للموصى من مال اليتيم، وأحمد 1/ 325، والطبري في "تفسيره" 2/ 370 - 371، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 395 وغيرهم. وقول ابن عباس من رواية الوالبي (علي بن أبي طلحة) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 238، والطبري في "تفسيره" 2/ 371، والجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 330 وغيرهم.
(¬3) في (ش): (نفردهما) وفي (ي): (يردهما).
(¬4) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 903.