كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 4)

وقال قوم: هذا أمر ندب وإباحة كقوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2]، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا} [الجمعة: 10] وهذا اختيار الفراء؛ لأنه يقول: هذا الأمر ليس بفريضة، إنما هو أدب ورحمة من الله، فإن كتب فحسن، وإن لم يكتب فلا بأس (¬1).
قال ابن الأنباري: وهو اختيارنا؛ لاتفاق أكثر العلماء عليه، ولأن الأمر لو كان حتمًا لم يكن المسلمون ليقدموا على خلاف نصّ القرآن في أسواقهم، ولكان فيه أعظم التشديد على الناس والتغليظ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "بُعِثْتُ بالحنفية السمحة" (¬2).
وقال آخرون: كانت الكتابة والإشهاد أو الرهن فرضًا، ثم نسخ ذلك بقوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} إن أشهدت فَحَزْم (¬3)، وإن تركت ففي حلٍّ وسعة (¬4).
وقال التيِمي: سألت الحسن عنها فقال: إن شاء أشهدَ، وإن شاء لم يُشْهِدْ، ألا تسمع قوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} (¬5).
¬__________
(¬1) "معاني القرآن" للفراء.
(¬2) رواه أحمد 5/ 266. قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" ص109: وسنده حسن.
(¬3) في (م) (فجزم).
(¬4) وهذا قول الشعبي، رواه الثوري في "تفسيره" ص 73، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 145، وابن أبي شيبة في "المصنف" 6/ 97، والطبري في "تفسيره" 3/ 118، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 570، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص 263، وقال: وهذا ليس بنسخ؛ لأن الناسخ ينافي المنسوخ، ولم يقل هاهنا: فلا تكتبوا ولا تشهدوا، وإنما بين التسهيل في ذلك. وينظر: "تفسير القرطبي" 3/ 383، و"النسخ في القرآن" لمصطفى زيد 2/ 683.
(¬5) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 118، وفي "النكت والعيون" 1/ 354 بمعناه.

الصفحة 486