وكان أبو عبيدة يتأول في كان معنيين: المُضِيّ والاستقبال، وينشد قول جرير:
فأدركت من قَد كان قبلي ولم أَدَع ... لمَن كان بَعدي في القصائدِ مَصْنَعَا (¬1)
وقال ابن الأنباري: معنى قوله: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا} وأشباه هذا: وكان الله أبدًا ولم يزل كذلك، وصَلحَ وضعُ الماضي في موضع الدائم؛ لأن المعنى كان مفهومًا غير مُلبِس، كقوله: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّة} [الأعراف: 44]، وهو يريد: ويُنادي؛ لأن المعنى مفهوم، وإنما (عبرنا للماضي) (¬2)؛ لأن الذي هو في علم الله كونه لا بد من وقوعه، فكأنه قد وقع، ولا يجوز: قام عبد الله، بمعنى: يقوم لأنه يُشكل.
وذهب المبرد وابن قتيبة إلى أن (كان) في مثل هذا صلة في جميع القرآن (¬3)، وأنشد المبرد:
فكيف إذا مررتُ بدارِ قوم (¬4) ... وجيرانٍ لَنا كانوا كِرام (¬5)
فألغى كان. قال ابن الأنباري: ولا وجه لهذا عندي؛ لأنه لا يُلغى (¬6) الكونُ وهو عامل، والكون في البيت الذي أنشده المبرد غير عامل.
¬__________
(¬1) لم أقف على ما نسبه المؤلف لأبي عبيدة، لا في "المجاز" ولا في غيره، وأما البيت فهو في "ديوان جرير" ص 263، لكن أوله: (وأدركت) بالواو. والشاهد منه: أن (كان) الأولى للمُضي، و (كان) الثانية للاستقبال.
(¬2) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: عبر بالماضي.
(¬3) انظر: "المقتضب" 4/ 116وما بعدها.
(¬4) في "المقتضب": فكيف إذا رأيت ديار قوم.
(¬5) نسبه المبرد للفرزدق في "المقتضب" 4/ 116، وهو في "ديوانه" 2/ 290، وغير منسوب في "مجاز القران" 2/ 7 ,140، و"اللسان" 7/ 3961 (كون).
(¬6) في (أ): (يلقي).