ويحتمل أن يكون هذا من الاستثناء المنقطع عن الأول، على أن تكون إلا بمعنى لكن، كأنه قيل: لكن قليلًا منهم، وهم الأنصار.
وذكرنا معنى الاستثناء المنقطع بأبلغ الاستثناء عند قوله: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} في سورة البقرة [الآية:150].
وقوله: {مِنْهُمْ} على هذا الكنايةُ تعود إلى المنافقين، ويقال ذلك لأن القبيلين وإن اختلفا من حيث الإيمان والكفر، فقد اتفقا بالنسب والجوار والحلف واللغة، وكونهم أهل عصر (¬1) واحد، في زمن نبي واحد، وكل هذا من الملابسة بين الفريقين، ولأن المنافقين أيضًا ادعوا الإيمان وأظهروا شعاره، فقاسمُ الإيمان يشملهم.
ومثل هذا من التنزيل قوله: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} [النساء: 72] يعني المنافقين، وهو يخاطب المؤمنين، فجعلهم منهم. وسنذكر الوجه منه إذ انتهينا إليه.
ولهذا المعنى الذي ذكرنا أن القليل غير مستثنى من المنافقين اختار جماعة من القراء (....) (¬2) الوقف على قوله: {مَا فَعَلُوهُ} إشعارًا أن هذا الاستثناء منقطع من الأول (¬3).
¬__________
= "معاني الزجاج" 2/ 70، "شرح القصائد المشهورات" للنحاس 2/ 158. والأواري التي يحبس بها الخيل من وتد أو حبل، الواحد: آري، واللأى: البطء , والنؤي: حاجز من تراب حول الخيمة يحول دون وصول الماء إليها. وقال: بالمظلومة الجلد، لأنهم مروا في برية فحفروا فيها حوضًا وليست موضع حوض فجعل الشيء في غير موضعه.
(¬1) قد تكون هذِه الكلمة: "مصر".
(¬2) غير واضح في (ش)، ولعل الكلمة تكون: [ترجيح] الوقف ...
(¬3) ممن اختار هذا الوقف يعقوب. انظر: "القطع والائتناف" ص 256.