كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 8)

إنما جُعلت أمثالنا في الحشر والاقتصاص؛ واختار الزجاج هذا، قال: (يعني: أمثالكم في أنهم يبعثون. لأنه قال عز وجل: {وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} [الأنعام:36]، ثم أعلم أنه {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} في الخلق والموت والبعث) (¬1).
واختار الأزهري قول ابن عباس فقال: (معنى قوله: {إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} في معنى دون معنى -يريد والله أعلم- أنه تعبدهم بما شاء أن يتعبدهم [به] (¬2) من تسبيح وعبادة علمها منهم، ولم يفقهنا ذلك) (¬3).
وقال ابن الأنباري في هذه الآية: (يسأل السائل عن هذا فيقول: ما في هذا من الاحتجاج على المشركين؟ فيُقال له: الاحتجاج أن الله عز وجل قد ركب في الناس عقولاً، وجعل لهم أفهامًا، ألزمهم بها، تدبر أمر الأنبياء، والتمسك بطاعته، وأنه تعالى قد أنعم على الطير والدواب بأن جعل لها (¬4) فهمًا يعرف بعضها به إشارة بعض، فهدى الذكر منها لإتيان الأنثى، فصح التشبيه (¬5)؛ لأن الأمم من غير الناس يفهم (¬6) بعضها عن بعض، كما يفهم
¬__________
= الصحيح)، وله شواهد انظر: "المسند" 1/ 72، ومجمع "الزوائد" 10/ 352 - 353، والقرناء: ذات القرون، والجماء: التي لا قرون لها.
(¬1) "معاني القرآن" للزجاج 2/ 245.
(¬2) لفظ: (به) ساقط من (ش).
(¬3) "تهذيب اللغة" 1/ 205، وهذا قول أبي عبيدة أيضاً في "مجاز القرآن" 1/ 191، وقال النحاس في "معانيه" 2/ 421: (وأكثر أهل التفسير يذهب إلى أن المعنى: أنهم يخلقون كما يخلقون ويبعثون كما يبعثون) ا. هـ. ورجحه الطبري في "تفسيره" 7/ 188، والسمرقندي 1/ 483، وابن عطية 5/ 192، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 420، و"التذكرة" ص 329.
(¬4) في (أ): (جعل لهم).
(¬5) في (ش): (أن الأمم).
(¬6) في (أ): (تفهم).

الصفحة 114