كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 8)

كما يقولون: متى تظنك خارجًا ومتى تراك. وذلك أنهم أرادوا الفصل بين الفعل الذي قد يُلغى وبين الفعل الذي لا يجوز إلغاؤه، ألا ترى أنك تقول: أنا أظن خارج فتلغي أظن، وقال الله تعالى: {أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 7]، ولم يقل: رأى نفسه، وجاء في ضرورة الشعر إجراء الأفعال التامة مجرى النواقص، قال جران العود (¬1):
لَقَدْ كَانَ لي في ضَرَّتَيْنِ عَدِمْتُني ... وما كنت ألقى من رزينة أبرحُ (¬2)
والعرب تقول: عدمتني ووجدتني وفقدتني، وليس بوجه الكلام) (¬3) وهذا كله صحيح، ولم يخالف إلا في الكاف التي في أرأيتك بمعنى أخبرني، فإنه قال: [(موضع الكاف نصب وتأويله رفع؛ لأن الفعل محول عن التاء إليها، وهي بمنزلة الكاف في دونك إذا أُغري بها، كما تقول: دونك زيدًا، فتجد الكاف] (¬4) في اللفظ خفضًا وفي المعنى رفعًا؛ لأنها
¬__________
(¬1) جِران العَوْد، هو: عامر بن الحارث بن كلدة النُّمَيري، شاعر إسلامي وصاف. وجران العود لقب غلب على اسمه، وهو بالكسر وفتح الراء: جلد عُنُق الدابة، سمي به؛ لأنه اتخذ منه سوطًا، وأورده في شعره.
انظر: "كنى وألقاب الشعراء" لابن حبيب ص 35، و"الشعر والشعراء" ص 480، و"المبهج" لابن جنى ص 169، و"الصحاح" 5/ 2091 (جرن)، و"اللباب" لابن الأثير 1/ 269، و"تاج العروس" 18/ 106 (جرن)، و"الأعلام" 3/ 250.
(¬2) "ديوانه" ص 39، 40، و"الدر المصون" 4/ 622، وهذه هي رواية الفراء في "معانيه" 1/ 334، وفي المراجع:
لقد كان لي عن ضرتين عدمنني ... وعَمَّا أُلاقي منهما مُتَزَحْزِحُ
والشاهد: عدمتني: حيث جمع بين ضمير الفاعل والمفعول.
(¬3) "معاني الفراء" 1/ 333 - 334، بتصرف واختصار، ونصر الواحدي عند السمين في "الدر" 4/ 621 - 622 عن الفراء.
(¬4) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).

الصفحة 126