كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 8)
واختلف القرّاء (¬1) في قوله: {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ} فـ {فَأَنَّهُ} فقرأ بعضهم بالفتح فيهما أما فتح الأولى فعلى التفسير للرحمة، كأنه قيل: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ}.
وأما فتح الثانية فعلى أن تجعله بدلاً من الأولى كقوله تعالى: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} [المؤمنون: 35]، وقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ} [الحج: 4]، وقوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [التوبة: 63]، وهذا معنى قول الفراء (¬2) والزجاج (¬3). قال أبو علي: (من فتح الأولى جعلها بدلاً من {الرَّحْمَةَ}، وأما التي بعد الفاء فعلى أنه أضمر له خبرًا تقديره: فله أنه {غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي: فله غفرانه، أو أضمر مبتدأ يكون أن خبره كأنه فأمره أنه {غَفُورٌ رَحِيمٌ}، وعلى هذا التقدير يكون الفتح في قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} (¬4) [التوبة: 63] تقديره: فله أن {لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} وإن شئت قدرت، فأمره أن {لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} فيكون خبر هذا المبتدأ المضمر.
¬__________
(¬1) (قرأ نافع (أَنَّهُ) بفتح الهمزة: (فَإِنَّهُ) بكسر الهمزة، وفتحهما جميعًا عاصم وابن عامر، وكسرهما الباقون).
انظر: "السبعة" ص 258، و"المبسوط" ص 168، و"التذكرة" 2/ 398، و"التيسير" ص 102، و"النشر" 2/ 258.
(¬2) انظر: "معاني القرآن للفراء" 1/ 336 - 337.
(¬3) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 253 - 254، و"الأخفش" 2/ 275 - 276، و"النحاس" 2/ 431 - 432، و"إعراب القرآن للنحاس" 1/ 538.
(¬4) في (أ): (تعلموا) بالتاء.
الصفحة 178