كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 8)

بمعنى الوصل، وأصله: الافتراق (¬1) والتباين، قيل: إنه لما استعمل مع الشيئين المتلابسين في نحو: بيني وبينه شركة، وبيني وبينه رحم وصداقة صارت لاستعمالها في هذه المواضع بمنزلة الوصلة، وعلى خلاف الفرقة، لهذا جاء {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} بمعنى: لقد تقطع وصلكم، وحكى سيبويه: (هو أحمر بين العينين) (¬2)، وهذا يدل على جواز استعماله اسمًا.
فأما من قرأ: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} بالنصب ففيه مذهبان أحدهما: أنه أضمر الفاعل في الفعل، ودل عليه ما تقدم من قوله: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ}، ألا ترى أن هذا الكلام فيه دلالة على التقاطع والتهاجر، فكأنه قيل: لقد تقطع وصلكم بينكم.
وقد حكى سيبويه أنهم قالوا: (إذا كان غدًا فأتني) (¬3)، [فأضمر ما كانوا فيه من رخاء أو بلاء على معنى: إذا كان الرخاء أو البلاء غدًا فأتني (¬4)]، فأضمر لدلالة الحال عليه، وصار دلالة الحال بمنزلة جَرْي الذكر وتقدمه، والمذهب الآخر من انتصاب البين: شيء يراه أبو الحسن (¬5)، وهو أنه يذهب إلى: (أنه وإن نُصب يكون معناه معنى المرفوع لمّا جرى في كلامهم منصوبًا ظرفًا تركوه على ما يكون عليه في أكثر
¬__________
(¬1) هو من الأضداد، يكون البَيْنُ الفراق ويكون الوصال. انظر: كتاب "الأضداد" لقطرب ص 138، وللأصمعي ص 52، ولابن السكيت ص 204، ولابن الأنباري ص 75، و"شرح القصائد" لابن الأنباري ص 433.
(¬2) "الكتاب" 1/ 195.
(¬3) "الكتاب" 1/ 224.
(¬4) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).
(¬5) أبو الحسن هو سعيد بن مسعدة المجاشعي البصري الأخفش الأوسط، تقدمت ترجمته.

الصفحة 298