وقد شرح ابن الأنباري هذا فقال: (العرب قد تجرى اسمًا على الخفض ثم تعطف عليه منصوبًا، وكذلك يقدمون المنصوب ثم يعطفون عليه المخفوض في باب فاعل، فيقولون: هو ضارب عبد الله في الدار ومحمدًا، وهو ضارب عبد الله في الدار ومحمدٍ، إذا نصبوا بعد الخفض قدروا أن المعطوف عليه منصوب وأن الفاعل منوّن، وذلك أن قولنا: هو ضارب عبد الله يجري مجرى ضارب عبد الله، وإذا خفضوا بعد النصب قدّروا أن المنصوب مخفوض وأن الاسم المبني على فاعل لا تنوين فيه، وأنشد:
فنبَيْنَا نَحْنُ ننظره أَتَانَا ... مُعَلّقَ شِكوة وزِنَادَ رَاعِ
فحمل على تأويل النصب أراد: معلقًا شكوةً، وقال امرئ القيس:
فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ [مِنْ بَيْنِ] (¬1) مُنْضِجٍ ... صَفِيفَ شِوَاءٍ أوْ قدِيرٍ مُعَجَّلِ (¬2)
فخفض القدير وهو نسق على الصفيف تقديرًا أن الصفيف مخفوض، كأنه قال: من بين منضج صفيف) (¬3).
¬__________
(¬1) في (ش): (ما بين)، وهي رواية للبيت.
(¬2) الشاهد في "ديوانه" ص 120، و"معاني الفراء" 1/ 346، و"جمهرة اللغة" 2/ 929، و"الاشتقاق" ص 233، و"اللسان" 4/ 2463، مادة (صفف)، والطهاة: الطباخون، وصفيف شواء: شرائح لحم مشوي، وقدير، أي: مطبوخ في قدْر، انظر: "شرح المعلقات" للنحاس 1/ 41.
(¬3) انظر: "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص 97 - 98، وفي "معاني الفراء" 1/ 346، و"الجمل" للزجاجي ص 84 - 85، نحوه، وقال مكي في "المشكل" 1/ 263: ({وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} انتصبا عطفا على موضع (الليل) لأنه في موضع نصب وقيل: على تقدير وجعل. وأما على قراءة {وَجَعَلَ اللَّيْلَ} فهو عطف على اللفظ والمعنى) ا. هـ. وانظر: "البيان" 1/ 332، و"التبيان" 1/ 349 و"الفريد" 2/ 198، و"الدر المصون" 5/ 61.