كَذَبَ العَوَاذِلُ لَوْ رَأَينَ مُنَاخَنَا ... بَحزِيز رَامَةَ والمَطِيُّ سَوَامِي (¬1)
ولم يقل: لرأين ما يشجيهن ويسخن أعينهن.
قال أبو الفتح الموصلي (¬2): (ذهب أصحابنا إلى أن حذف الجواب في هذه الأشياء أبلغ في المعنى من إظهاره، ألا ترى أنك إذا قلت لغلامك: والله لئن قمت إليك، وسكتَّ عن الجواب، ذهب تفكره (¬3) إلى أنواع المكروه من الضرب والقتل والكسر وغير ذلك، فتمثلت في فكره أنواع العقوبات، وتكاثرت عليه، وعظمت الحال في نفسه، ولم يدر أيها يتقي. ولو قلت: والله لئن قمت إليك لأضربنك. فأتيت بالجواب، لم يتق شيئًا غير الضرب، ولا خطر بباله نوع من المكروه سواه، وكان ذلك دون حذف الجواب؛ لأنه يوطن نفسه على المتوعّد به في الجواب إذا عرفه، ومن وطن نفسه على شيء هان. ألا ترى قول كثير (¬4):
فَقُلْتُ لها: يا عَزَّ كُلُّ مُلمةٍ ... إِذا وُطّنَتْ يومًا لها النَّفسُ ذلّتِ (¬5)
¬__________
(¬1) "ديوان جرير" ص 542، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 648، و"الدر المصون" 4/ 283، الحزيز: المكان الغليظ، وهو اسم لعدة أماكن في بلاد العرب. انظر: "معجم البلدان" 2/ 256، وفيه ذكر البيت وصدره عنده:
ولقد نظرت فرد نظرتك الهوى
والسوامي: الرافعة أبصارها وأعناقها.
(¬2) عثمان بن جني النحوي اللغوي إمام مشهور، تقدمت ترجمته.
(¬3) في "سر صناعة الإعراب" 2/ 649 (وذهب بفكره).
(¬4) "ديوان كثير عزة" ص 55، و"تهذيب اللغة" 4/ 3911، و"الدر المصون" 4/ 583، وفيها: مصيبة بدل ملمة، وقد جاء ملمة في بعض نسخ "سر صناعة الإعراب" 2/ 649.
(¬5) "سر صناعة الإعراب" 2/ 649، بتصرف يسير, وانظر: "معاني الأخفش" 1/ 136، و"المدخل" للحدادي ص 239.