كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 8)

قال أبو إسحاق: (المعنى: إن أكثر أهل الكتاب والمشركين عاندوا بعد أن علموا أن أمر الله حق (¬1)، فركنوا إلى الرفاهية، وأن الشيء متأخر عنهم إلى أمدٍ، كما فعل إبليس الذي قد شاهد من براهين الله ما لا غاية بعده، فأعلم الله عز وجل أن هؤلاء لو ردوا لعادوا كما أنهم كفروا في الدنيا بعد قيام الدليل ووجوب الحجة عليهم) (¬2).
وهذه الآية من الأدلة الظاهرة على تكذيب القدرية، وذلك أن الله تعالى أخبر عن قوم جرى عليهم قضاؤه في الأزل بالشرك، فقال: لو أنهم شاهدوا النار والحساب وسألوا الرجعة وردوا، لعادوا إلى الشرك، وذلك للقضاء السابق فيهم، وإلا فالعاقل لا يكاد يرتاب فيما شاهد (¬3).

29 - قوله تعالى: {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} كان ابن زيد (¬4) يقول: (هذا عطف على قوله: {لَعَادُوا}، والمعنى: لعادوا إلى الشرك، لقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا، وأنكروا البعث) (¬5). والآخرون: (على أن هذا ابتداء، إخبار عنهم أنهم كذلك كانوا يقولون في الدنيا) (¬6).
¬__________
(¬1) في (أ): (أن الأمر لله حق).
(¬2) "معاني الزجاج" 2/ 240، انظر: الطبري 7/ 176 - 177، و"معاني النحاس" 2/ 414 "بدائع التفسير" 2/ 146.
(¬3) ذكره الرازي 12/ 194، وأبو حيان 4/ 104، عن الواحدي.
(¬4) ابن زيد: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، تقدمت ترجمته.
(¬5) أخرجه الطبري 7/ 177، ابن أبي حاتم 4/ 1280، بسند جيد، وذكره أكثرهم، وهو ظاهر كلام الزمخشري 2/ 13، و"البيضاوي" 1/ 136، وقال القرطبي 6/ 411،: (يحمل هذا على المعاند ... أو على أن الله يلبس عليهم بعد ما عرفوا، وهذا شائع في العقل) ا. هـ.
(¬6) هذا قول الجمهور واختيار الطبري 7/ 177، والجمع بينهما حسن، فيقال. لما كان ديدنهم في الدنيا هو الكذب بالآخرة الذي كانوا يعبرون عنه بتلك المقولة: =

الصفحة 80