كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 9)
ومما يدل على ذلك أن الريح قد وصفت بالموت كما وصفت بالحياة. قال:
إني لأَرْجُو أَنْ تَمُوتَ الرِّيحُ ... فَأُقْعُدُ اليَوْمَ وأَسْتَرِيحُ (¬1)
فقوله: {نُشُرًا} جمع: نشُور مثل رَسُول ورُسُل، والنشور بمعنى: المنتشر؛ كالرَّكوب معنى: المركوب، فكأن المعنى: رياح منتشرة، فمن قرأ {الرِّيَاحَ} (¬2) بالجمع حسن وصفها بقوله: {نُشُرًا} لأنه وصف الجمع بالجمع، ومن قرأ {الرِّيح} واحدة {نُشُرًا} جمعًا كقراءة ابن كثير، فإنه أراد بالريح الكثرة كقولهم: كثر الدرهم والدينار، والشاء (¬3) والبعير، وكقوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 2] ثم قال: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا}، فلما كان المراد بالريح الجمع وصفها بالجمع، كقول عنترة:
فِيهَا اثْنَتَانِ وأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً ... سُودًا كَخَافِيَةِ الغُرابِ الأَسْحَمِ (¬4)
¬__________
(¬1) لم أهتد إلى قائله، وهو في "الحجة" لأبي علي 4/ 36، و"تفسير ابن الجوزي" 3/ 217، و"اللسان" 7/ 4295 (موت) و7/ 4423 (نشر)، و"البحر المحيط" 4/ 317، و"الدر المصون" 5/ 348.
(¬2) قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: {الرَّيَاحَ} على التوحيد، وقرأ الباقون: {الرِّيَاحَ} بالجمع، وقرأ عاصم {بُشْرًا} بضم الباء وسكون الشين، وقرأ ابن عامر: {نُشْرًا} بضم النون وسكون الشين، وقرأ حمزة والكسائي: {نَشْرًا} بفتح النون، وسكون الشين، وقرأ الباقون: {نُشُرًا} بضم النون والشين. انظر: "السبعة" ص 283، و"المبسوط" ص 181، و"التذكرة" 2/ 420، و"التيسير" ص 110، و"النشر" 2/ 269 - 270.
(¬3) في (أ): (الشاة)، وأصل النص في "الحجة" لأبي علي 4/ 23 وفيه: الشاء.
(¬4) "ديوانه" ص 17، و"الحجة" لأبي علي 4/ 33، و"الدر المصون" 5/ 350، والشاهد من معلقته المشهورة قال النحاس في "شرح المعلقات" 2/ 13 - 14: (الحلوبة المحلوبة يستعمل في الواحد والجميع على لفظ واحد، والخوافي أواخر =
الصفحة 186