ووافقه ابن الأنباري على هذا المعنى، فقال في قوله: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا}: (كأن لم يستغنوا فيها، يقال: غني الرجل يغنى (¬1): إذا استغنى) (¬2) وعلى هذا هو من الغنى الذي هو ضد الفقر، وليس من الإقامة (¬3) في شيء، يؤكد هذا المعنى ما روي عن قتادة أنه قال في هذه الآية: (كأن لم ينعموا فيها) (¬4). ووجه التشبيه في: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} أن حال المكذبين يشبه حال من لم يكن قط في تلك الديار، كما قال الشاعر:
كأنْ لم يكُن بينَ الحَجُونِ إلى الصَّفا ... أنيسٌ ولم يَسْمُرْ بمكَّةَ سَامِرُ
بَلَى نحنُ كنَّا أهلَهَا فأبادَنا ... صُروُفُ الليالي والجُدُودُ العَواثرُ (¬5)
¬__________
(¬1) لفظ: (يغنى) ساقط من (ب).
(¬2) لم أقف عليه.
(¬3) قال ابن عطية في "تفسيره" 6/ 10: (الذي استقريت عن العرب أن غنيت في المكان إنما يقال في الإقامة التي هي مقترنة بتنعم وعيش مرضي) اهـ. والمشهور عن أهل اللغة والتفسير أنها لمطلق الإقامة، قال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 221: (أي: لم ينزلوا فيها ولم يعيشوا فيها) وانظر: "غريب القرآن" لليزيدي ص 148، و"تفسير غريب القرآن" ص 179، و"نزهة القلوب" ص 487، و"تفسير المشكل" ص 86.
(¬4) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/233، والطبري 9/ 5، وابن أبي حاتم 5/ 1524 بسند جيد بلفظ: (كأن لم يعيشوا فيها كأن لم ينعموا فيها) اهـ.
(¬5) البيتان في "السيرة" لابن هشام 1/ 126، و"العقد الفريد" 5/ 59، و"شرح القصائد" لابن الأنباري ص 256، و"الأغاني" 15/ 10 - 16 - 23، و"وضح البرهان" للغزنوي 1/ 362، و"الروض الأنف" 1/ 127، والرازي 14/ 182 , و"معجم البدان" 2/ 225، و"الحماسة البصرية" 2/ 411، و"اللسان" 2/ 792 =