{ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ} من النفاق، ولا يتعظون بذلك المرض، كما يتعظ المؤمن إذا مرض ذكر ذنوبه وموقفه بين يدي الله، فيزيده ذلك إيمانًا وخوفًا من الله، وازداد الله له رحمة ورضوانًا.
وهذا قول عطية قال: يفتنون بالأمراض والأوجاع وهن روائد الموت (¬1)، وهذا اختيار أبي علي قال: إنهم يمتحنون بالأمراض والأسباب التي لا يؤمن معها الموت، فلا يرتدعون عن كفرهم، ولا ينزجرون عما هم عليه من النفاق، ولا يُقَدِّمون عملًا صالحًا يقدمون عليه إذا ماتوا (¬2).
وقال مجاهد: يفتنون بالقحط والجوع (¬3).
وقال قتادة: بالغزو والجهاد (¬4)؛ وذلك أنهم كانوا إذا نقضوا العهد بعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسرايا فيقتلونهم (¬5)، وكل هذا من أسباب
¬__________
(¬1) رواه الثعلبي 6/ 164 ب.
(¬2) "الحجة" للقراء السبعة 4/ 232.
(¬3) رواه ابن جرير 11/ 73، 74، وابن أبي حاتم 4/ 113 ب، والثعلبي 6/ 164 ب، والبغوي 4/ 115.
(¬4) المصادر السابقة، نفس الموضع.
(¬5) ليس للمنافقين عهد حتى ينقضوه، وليسوا من أهل الحرب حتى يبعث إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسرايا، بل ظاهرهم الإسلام والولاء والطاعة، ولذا تعليل المؤلف قول قتادة بما ذكره فيه نظر، بل قول قتادة يحتمل أحد ثلاثة أمور:
أ- أنهم يفتنون بالغزو والجهاد فيتخلفون بغير عذر فيظهر نفاقهم.
ب- أنهم يفتنون بالغزو والجهاد فيخرجون ويتعرضون للقتل قبل التوبة والإيمان الصحيح.
ج- أنهم يبتلون بالغزو والجهاد فيرون تصديق ما وعد الله - صلى الله عليه وسلم - رسوله من النصر والظفر، وهذا معنى قول الحسن البصري كما في "تفسير الثعلبي" 6/ 164 ب، بل نسبه القرطبي 8/ 299 إلى قتادة نفسه.