كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 11)

قال الفراء (¬1): "لا جرم" كلمة كانت في الأصل بمنزلة (¬2) (لا بد) و (لا محالة)، فكثر استعمالها حتى صارت بمنزلة (حقا)، ألا ترى أن العرب يقول: لا جرم لآتينك، فتراها بمنزلة اليمين، وكذلك فسرها المفسرون (¬3) في قوله تعالى: {لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ} حقا (¬4)، انتهى كلامه، وعلى هذا معنى {لَا جَرَمَ} أي لا قطع قاطع عن أنهم في الآخرة هم الأخسرون، إلا أنه كثر حتى صار كالمثل، فإذا قالوا: لا جرم، فكأنهم قالوا: حقًا، والأصل مما ذكرنا، ووضع موضع القسم في قولهم: لا جرم لأفعلن كذا، كما قالوا: حقًا لأفعلن، إذ جعلوه بدلاً من اليمين، وهذا قول في هذه الكلمة.
وقال الزجاج (¬5): معنى لا جرمِ: (لا) نفي لما ظنوا أنه ينفعهم، كأن المعنى: لا ينفعهم ذلك، {جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ} أي: كسب ذلك الفعل لهم الخسران، وذكرنا {جَرَمَ} هو بمعنى كسب في قوله: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} (¬6).
قال الأزهري (¬7): وهذا من أحسن ما قيل فيه.
قال ابن الأنباري: (جرم) على هذا القول فعل ماض، وفاعله مضمر
¬__________
(¬1) "معاني القرآن" 2/ 8.
(¬2) ساقط من (ي).
(¬3) انظر: الطبري 12/ 23، البغوي 4/ 169، ابن عطية 7/ 266 - 268، "البحر المحيط" 5/ 212، الرازي 17/ 208، القرطبي 9/ 20.
(¬4) ساقط من (ب).
(¬5) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 46.
(¬6) المائدة: 2. قال هنالك: وأكثر أهل اللغة والمعاني يقولون: لا يكسبنكم، ونقل ذلك عن جماعة منهم الفراء وابن الأنباري وأبو علي الفارسي وغيرهم.
(¬7) "تهذيب اللغة" 1/ 587 - 588 (جرم)، قال: "وهذا من أبين ما قيل فيه".

الصفحة 385