لصدقه، وكذلك قوله: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1] وقوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ} [الأعراف: 44] وهذا معنى قول الفراء في هذه الآية (¬1)، وقال أبو علي الفارسي: إنما وقع {يَوَدُّ} في الآية على لفظ المضارع؛ لأنه حكايته لحال آتية، كما أن قوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} [النحل: 124] حكايته لحال آتية أيضًا، ومن حكايته الحال قول القائل (¬2):
جَارِيةٌ في رَمَضَانَ الماضِي ... تُقَطِّعُ الحَدِيثَ بالإيمَاضِ (¬3)
قال ومن زعم أن الآية على إضمار (كان) وتقديره: ربما كان يود الذين كفروا، فقد خرج بذلك عن قول سيبويه (¬4)، ألا ترى (كان) لا تُضمر عنده، ولم يُجِزْ: وعبد الله المقتول، وأنت تريد: كن عبد الله المقتول، قال: ويجوز أن يكون (ما) في هذه الآية صفة بمنزلة شيء، و {يَوَدُّ} صفة له؛ وذلك أن (ما) لعمومها تقع على كل شيء، فيجوز أن يعني بها الودّ؛
¬__________
(¬1) "معاني القرآن" للفراء 2/ 82.
(¬2) منسوب لرؤبة وهو في ملحقات "ديوانه" ص 176 وروايته:
لقد أتى في رمضان الماض ... جارية في درعها الفضفاضِ
تُقطّعُ الحديث بالإيماض ... أبيض من أختِ بني إباضِ
(¬3) ورد غير منسوب في: "تفسير الطوسي" 6/ 314، "غرائب التفسير" 1/ 585، "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 185 "اللسان" (رمض) 3/ 1730، "الخزانة" 1/ 156، "الإنصاف" ص 124 برواية:
جارية في درعها الفَضْفَاض
والمعنى أن القوم كانوا يتحدثون فأومضت امرأة فتركوا الحديث واشتغلوا بالنظر إليها لبراعة جمالها.
(¬4) لأن هذا ليس من مواضع إضمار كان عنده؛ فكان لا تضمر عنده إلا حيث يكون حذف مقتضيها، وفي موضع تقوى الدلالة عليها. ذكره المنتجب في "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 185، وانظر: "تفسير أبي حيان" 5/ 444.