كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 12)

وخَلّف، كقولك: سبق زيدٌ عمرًا، أي جاره وخلّفه وراءه فاستأخر، معناه قصر عنه ولم يبلغه، وإذا كان واقعًا على زمان كان بالعكس من هذا؛ كقولك: سبق فلانٌ الحولَ وعامَ كذا، أي مضى قبل إتيانه ولم يبلغه، ومعنى: استأخر عنه، أي: جارُه وخلّفه وراءه، فقوله: {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} أي لا تقصر عنه فلا تبلغه؛ بأن تهلك قبل بلوغ الأجل {وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} أي ما يتجاوزونه ويتأخر الأجل عنهم.
وقال الفراء في هذه الآية: لم يقل: تستأخر؛ لأن الأمة لفظها مؤنث، فأخرج أول الكلام على تأنيثها وآخره على معنى الرجال (¬1)، قال الكسائي: رجع إلى الجماع لأنه رأس آية، والآيات على النون، وتقول: انطلقت العشيرة ففعلت، وفعلوا، كلٌّ صواب (¬2).

6 - قوله تعالى: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ} أي: القرآن، قال ابن عباس في رواية عطاء: هذا استهزاء منهم لو أيقنوا أنه نزل عليه الذكر ما قالوا: إنك لمجنون (¬3)، ولكنهم استهزؤوا، كما قال قوم شعيب لشعيب: {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87]. وذكر أبو علي وجهًا آخر هو لأصحاب المعاني فقال: الذين يقولون للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - مجنون لا يقرون بإنزال الذكر عليه، فهذا على {يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ}: عنده وعند من تبعه، كما قال تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان: 49]
¬__________
(¬1) "معاني القرآن" للفراء 2/ 84 بنصه.
(¬2) لم أقف على قوله.
(¬3) "تفسير ابن الجوزي" 4/ 383، وورد بمعناه غير منسوب في "تفسير البيغوي" 4/ 369، والزمخشري 2/ 310، والفخر الرازي 19/ 158، و"تفسير القرطبي" 9/ 4.

الصفحة 542