كتاب التفسير البسيط (اسم الجزء: 12)

وقوله تعالى: {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ}، قال ابن عباس: يريد ما يكفي خلقي، وقال الحكم: ما من عام بأكثرَ مطرٍ من عام، ولكنه يُمْطَرُ قومٌ ويُحْرَمُ آخرون، وربما كان البحر (¬1)؛ يعني أن الله تعالى ينزل المطر كل عام قدر معلوم لا ينقصه ولا يزيده، غير أنه يصرفه إلى من شاء حيث شاء كما شاء، وقال أهل المعاني في هذه الآية: خزائن الله جل وعز مَقْدُوراته (¬2)؛ لأنه يُقِّدر أن يوجد ما يشاء من جميع أجناس المعاني، وهذا معنى قول ابن عباس في هذه الآية: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ} قال: يريد أَمْلِكُ خزائنه، وأقول كن فيكون (¬3)، يعني أنه تعالى ذِكْرُه لما قَدَرَ على إنشاء ما يريد كما يريد، صارت الأشياءُ كأنها عنده في خزائنها مُعَدَّةٌ، وعلى هذا معنى قوله: {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} أي ما ننشئه وما نحدثه، والإنزال يكون بمعنى الإنشاء والإحداث كقوله: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الزمر: 6]، وقوله: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ} [الحديد: 25] وقد مر (¬4)،
¬__________
(¬1) "أخرجه الطبري" 14/ 19 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 147 أبنصه، "تفسير الفخر الرازي" 19/ 174، "تفسير القرطبي" 10/ 14، ابن كثير 2/ 603، "الدر المنثور" 4/ 178 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في العظمة، وقد أخرجه أبو الشيخ في العظمة ص 324، لكن عن الحسن لا عن الحكم كما قال السيوطي.
(¬2) انظر: "غرائب التفسير" 1/ 589، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 392، الفخر الرازي 19/ 174، "تفسير القرطبي" 10/ 14، الخازن 3/ 93.
(¬3) في "تنوير المقباس" ص 277 قال: بيدنا مفاتيحه لا بأيديكم، وعنه في الدر المنثور قال: ما نقص المطر منذ أنزله الله، ولكن تمطر أرض أكثر مما تمطر الأخرى. "الدر المنثور" 4/ 178، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(¬4) لعل الأولى أن يقول وسيأتي.

الصفحة 575